فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 796

(عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - وَالْخمر)

فَقَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أما ترى مَا نلقى من أَمر الْخمر يَا رَسُول الله إِنَّهَا مذهبَة لِلْعَقْلِ متلفة لِلْمَالِ فَأنْزل الله تَعَالَى بِالْمَدِينَةِ {يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير} الْبَقَرَة 219] وَقُرِئَ (كثير) والمعنيان متقاربنا {وَمَنَافع للنَّاس} الْبَقَرَة 219] وعَلى هَذَا مُعَارضَة لقَائِل أَن يَقُول أَيْن الْمَنْفَعَة وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن الله لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهَا) ؟

فَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَنهم كَانُوا يتبايعونها من الشَّام بِالثّمن الْيَسِير ويبيعونها بالحجاز بِالثّمن الْكثير وَكَانَت الْمَنَافِع الَّتِي فِيهَا من الأرباح

وَكَذَلِكَ قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {قل فيهمَا إِثْم كَبِير} الْبَقَرَة 219] فَانْتهى عَن شربهَا قوم وَبَقِي قوم على شربهَا حَتَّى دَعَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ قوما فأطعمهم وسقاهم الْخمر حَتَّى سَكِرُوا فَلَمَّا حضر وَقت الصَّلَاة قدمُوا رجلا مِنْهُم يُصَلِّي بهم (ابْن أبي جَعونَة) وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا رجل يُقَال لَهُ أَبُو بكر بن أبي جَعونَة وَكَانَ حَلِيف الْأَنْصَار فَقَرَأَ فَتْحة الْكتاب وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ فَمن أجل سكره خلط فَقَرَأَ قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ أعبد مَا تَعْبدُونَ وخلط أول السُّورَة بخاتمتها حَتَّى ختم السُّورَة على ذَلِك فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فشق عَلَيْهِ ذَلِك فَأنْزل الله عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ} النِّسَاء 43] فَكَانُوا يشربونها بعد صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ ينامون ثمَّ يقومُونَ عِنْد صَلَاة الْفجْر فيصحون مِنْهَا ثمَّ يشربونها بعد صَلَاة الصُّبْح فيصحون مِنْهَا عِنْد صَلَاة الظّهْر ثمَّ لَا يشربون بعد ذَلِك حَتَّى يصلونَ الْعشَاء الْآخِرَة

حَتَّى دَعَا سعد بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ رجلا لوليمة عَملهَا على رَأس جزور فَدَعَا أُنَاسًا من الْمُهَاجِرين فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا الْخمر حَتَّى سَكِرُوا مِنْهَا فافتخروا فَعمد رجل من الْأَنْصَار إِلَى أحد لحيى الْجَزُور فَضرب بِهِ أنف سعد ففزه فجَاء مستعديا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون} الْمَائِدَة 90] الْآيَة فَاخْتلف الْعلمَاء من أهل التَّفْسِير فِي مَوضِع التَّحْرِيم هَل وَقع فِي قَوْله تَعَالَى {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ} الْمَائِدَة 91] أَو فِي غير هَذَا الْموضع

وَقَالَ قوم من الْمُفَسّرين إِن التَّحْرِيم وَقع فِي قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنبُوهُ} الْمَائِدَة 90]

وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم بل وَقع فِي قَوْله تَعَالَى {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ} الْمَائِدَة] 91 وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقوله تَعَالَى فِي سُورَة الْفرْقَان فِي قَوْله تَعَالَى (أَتَصْبِرُونَ) وَالْمعْنَى اصْبِرُوا وَكَذَلِكَ فِي الشُّعَرَاء {قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ}

الشُّعَرَاء 11] وَالْمعْنَى اتَّقوا

وَكَذَلِكَ فِي سُورَة يُوسُف صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى نَبينَا مُحَمَّد وَسلم قَوْله {تزرعون سبع سِنِين دأبا} يُوسُف 47] وَالْمعْنَى ازرعوا

وَفِي سُورَة الْوَاقِعَة قَوْله {فلولا إِن كُنْتُم غير مدينين ترجعونها} الْوَاقِعَة 89] يَعْنِي الرّوح وَالْمعْنَى ارجعوها وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْخمر {فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ} الْمَائِدَة 91] وَالْمعْنَى انْتَهوا فَقَالُوا عِنْد ذَلِك انتهينا انتهينا يَا رَسُول الله وَهَذِه من الْأَخْبَار الَّتِي مَعْنَاهَا الْأَمر

وَقَالَ بعض أهل الْعلم إِن تَحْرِيم الْخمر فِي الْآيَة الَّتِي فِي الْأَعْرَاف قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم} الْأَعْرَاف 33] وَالْإِثْم هِيَ الْخمر قَالَ الشَّاعِر

(شربت الْإِثْم حَتَّى ضل عَقْلِي ... كَذَاك الْإِثْم يذهب بالعقول)

وَقَالَ آخر

(نشرب الْإِثْم بالكؤوس جهارا ... نَتْرُك الهتك بَيْننَا مستعارا)

والهتك الأترج

فَهَذِهِ جمل تَحْرِيم الْخمر وانتقاله فِي مواطنه وَأما تَحْرِيمهَا فِي الْأَنْعَام فِي قَوْله تَعَالَى {قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير} الْأَنْعَام 145 فَإِنَّهُ رِجْس وَالدَّم رِجْس وَالْميتَة رِجْس وَالْخمر بل الْخمر أَكثر رجسا بل الْميتَة أحلّت للْمُضْطَر وَلم تحل الْخمر لأحد وَالْخمر مَا خامر الْعقل فغطاه وَإِذا غَابَ الْعقل حضر الْجَهْل وَإِذا حضر الْجَهْل كفر العَبْد وَلَا يُبَالِي

(موعظة)

أَيهَا المصرون على الجراع والآثام المسرفون فِي شراب الْمُسكر الْحَرَام أفنيتم أعماركم فِي الْكَذِب والزور وضيعتم أيامكم فِي الْجَهْل والغرور وقطعتم أوقاتكم فِي الْفسق والفجور واستعننتم على مَعْصِيّة الله بِشرب الْخُمُور أما علمْتُم أَن الْخمر متلفة لِلْمَالِ مذهبَة للبهاء وَالْجمال عَاقبَتهَا إِلَى وبال ويؤول شاربها إِلَى شَرّ مآل الْخمر أَولهَا لَهو ومزاح وَآخِرهَا بكاء ونياح امْرَأَة شَارِب الْخمر فِي كل وَقت مُطلقَة وثيابه فِي كل حِين ممزقة

شَارِب الْخمر خَلِيل الشَّيْطَان شَارِب الْخمر عَدو الرَّحْمَن شَارِب الْخمر بعيد من الْإِيمَان شَارِب الْخمر قريب من الضلال والخسران شَارِب الْخمر فِي بحار السخط عائم شَارِب الْخمر على عَذَاب النَّار حائم شَارِب الْخمر مُخَالف للتنزيل شَارِب الْخمر مُخَالف لسنة الرَّسُول عَدو للْملك الْجَلِيل شَارِب الْخمر مَلْعُون على لِسَان سيد الْمُرْسلين شَارِب الْخمر مُخَالف لسنة خَاتم النَّبِيين

أما علمت يَا من بعد من الْإِحْسَان وتقرب من الفسوق والعصيان وَحل فِي سخط الْمُهَيْمِن الديَّان أَن الْخمر موقعة للعداوة والشقاق قَاطِعَة للخير والأرزاق قائدة إِلَى أَلِيم الْعَذَاب يَوْم التلاق

أما علمت أَنَّهَا تحول بَين شاربها وَبَين الرشاد وتلقيه فِي الضلال وَالْفساد وتوقع الْعَدَاوَة والبغضاء بَين الْعباد وتقود إِلَى الْعَذَاب الشَّديد يَوْم التناد

وأنشدوا

(الْخمر ولادَة للشر أجمعه ... وَمن وِلَادَتهَا الْعِصْيَان وَالْكفْر)

(تَعْصِي الْإِلَه إِذا مَا عِشْت تشربها ... وتبعد الْخَيْر وَالْإِحْسَان وَالشُّكْر)

(العَبْد يشْربهَا واللعن تَابعه ... والخزي شامله وَالْوَيْل والعسر)

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (لعن الْخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إِلَيْهِ وآكل ثمنهَا وَالدَّال عَلَيْهِ يَا أخي قد لعن الله كل من نسب إِلَى الْخمر واللعنة هوانا للْعَبد وَإِذا أبعد الله العَبْد من جواره أصلاه عَذَابه وحر ناره فبادر يَا شاربها إِلَى المتاب فَإِن الله قد حرمهَا فِي الْكتاب وتواعد عَلَيْهَا أَشد النكال وَالْعَذَاب

وأنشدوا

(يَا من يبيت على شرب الْخُمُور وَلَا ... يخْشَى الْإِلَه وَلَا يخْشَى من النَّار)

(تَعْصِي الْإِلَه وَلَا تقضي فَرَائِضه ... عَار عَلَيْك وَمَا فِي التوب من عَار)

(فتب من الْخمر للرحمن خالقنا ... وكل ذَنْب قديم الْعَهْد أوتار)

وأنشدوا

(تَعْصِي الْإِلَه وتأتى الْخمر تشربها ... وترتجي من إِلَه الْعَرْش غفرانا)

(وَأَنت تحوي فعال الْخَيْر أجمعها ... وَقد جمعت من الْعِصْيَان ألوانا)

(فتب وَلَا تتمادى فِي الضلال عَسى ... تلقى إِلَهًا كثير الْعَفو رحمانا)

عباد الله أما تستحون مِمَّن أخرجكم من بطُون الْأُمَّهَات وأسبغ عَلَيْكُم جزيل النعم والخيرات وهداكم بفضله إِلَى الصَّوْم والصلوات ووعد من أطاعه بالخيرات فِي الجنات العاليات وتواعد من عَصَاهُ بالخيبات وشدائد الْعُقُوبَات

أما علمْتُم أَن الْخمر أم الجرائم والسيئات ومفتاح الْكَبَائِر والخطيات وَبَاب المصائب والرزيات وموجبة لغضب رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات ومخربة الديار بِوُقُوع الشتات

فَلَا تدنسوا أَعمالكُم بِشرب الْخمر الْحَرَام فَإِنَّهَا أم الْكَبَائِر ولآثام وَمن شربهَا فقد خَالف الْقُرْآن وَالْأَحْكَام وَحل فِي سخط الْملك العلام أما تَسْتَحي يَا مطرود من بَاب الله يَا مُخَالفا لحدود الله يَا مؤالفا لأعداء الله من رب من عَلَيْك بِنِعْمَة الْإِسْلَام وجعلك من خير أمة أخرجت للأنام وفضلك بِمُحَمد عَلَيْهِ افضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فعصيت يَا مغرور مَوْلَاك وَاتَّبَعت غيك وهواك ونسيت النعم الَّتِي أولاك وَلم تَنْتَهِ عَمَّا عَنهُ نهاك

أَهَذا جَزَاء من أحسن إِلَيْك وسترك وأنعم عَلَيْك بئس مَا صنعت يَا من ظلّ فِي الْمعاصِي سرا وجهرا يَا من بدل نعمة الله كفرا يَا من هتك بعصيانه حِجَابا وسترا يَا من حرم بذنيه تَوْفِيقًا ويسرا يَا من أورثه الْعِصْيَان شرا وعسرا

أما تَسْتَحي يَا مطرود يَا من هُوَ عَن بَاب مَوْلَاهُ مَرْدُود يَا من خَالف الْأَحْكَام وَالْحُدُود من رب أخرج لَك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود عنبا حَلَالا أخرجه من الْعود تعصر مِنْهُ خمرًا تَعْصِي بِهِ الْملك المعبود مَا أجهلك بطرِيق الْمُتَّقِينَ مَا أبعدك عَن سيرة خير الْمُرْسلين يَا قَلِيل الدّين يَا ضَعِيف الْإِيمَان وَالْيَقِين يَا خَلِيل الشَّيْطَان اللعين ستعلم غَدا إِذا وقفت بَين يَدي أسْرع الحاسبين وَأمر بك إِلَى الْعَذَاب المهين فَحِينَئِذٍ تَقول بيني وَبَيْنك بعد المشرقين فبئس القرين اللَّهُمَّ تب علينا حَتَّى لَا نَعْصِيك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ.

وأنشدوا

(أهل الْخُمُور من الرَّحْمَن قد بعدوا ... وَفِي الْعَذَاب على الخسران قد وردوا)

(بشربهم من إِلَه الْعَرْش قد بعدوا ... وَفِي الصُّدُور مَعَ الشَّيْطَان قد قعدوا)

(دع المدامة لَا تسلك طريقتها ... فأهلها لنعيم الرب قد جَحَدُوا)

(وَقد تواعدهم رب السَّمَاء على ... شرب الْخُمُور بِنَار جمرها يقد)

(غَدا ترى أهل شرب الْخمر كلهم ... بدار ويل على النيرَان قد وردوا)

وأنشدوا

(لَا يشرب الْخمر إِلَّا فَاجر بطر ... قد خَالف الله وَالْقُرْآن والرسلا)

(بئس الشَّرَاب وَبئسَ الشاربون لَهَا ... لَا يسلكونه إِلَى دنياهم سبلا)

(هِيَ الدَّلِيل إِلَى دَار الْجَحِيم غَدا ... بئس الدَّلِيل وَلَا يُرْجَى لَهُم حولا)

(إِلَّا يَتُوب عَسى الرَّحْمَن يقبله ... فتب من الذَّنب لَا تيأس وَإِن ثقلا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت