فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 796

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(278)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...(279)}

عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أَعْلَنُوهَا إِلا ابْتُلُوا بِالطَّوَاعِينِ وَالأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا, وَلا نَقَصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا ابْتُلُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ, وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا, وَلا خَفَرَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذَ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ."

عَنْ كُرْدُوسٍ التَّغْلِبِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ, وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى قَرْيَةٍ تَتَزَلْزَلُ فَوَقَفْتُ قَرِيبًا أَنْظُرُ, فَخَرَجَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَقُلْتُ: ما وراءك؟ فقال: تركتها تتزلزل وإن الحائطان لَيَصْطَكَّانِ وَيُرْمَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ, فَقُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ الرِّبَا.

وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: أَعْيَانِي قِيَامُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: قَيَّدَتْكَ خَطَايَاكَ!

عَنْ هِشَامٍ قَالَ: اغْتَمَّ ابْنُ سِيرِينَ مَرَّةً فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا الْغَمُّ؟ قَالَ: هَذَا بِذَنْبٍ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

قَالَ الْجُنَيْدُ: مَنْ هَمَّ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْمَلْهُ عُوقِبَ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْرِفْهُ.

عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الإِنْجِيلِ: تَعْمَلُونَ الْخَطَايَا وَتُنْكِرُونَ الْعُقُوبَةَ!

يَا مَنْ مَعَاصِيهِ جَمَّةٌ مَشْهُورَةٌ وَنَفْسُهُ بِمَا يَجْنِي عَلَيْهَا مَسْرُورَةٌ, أَفِي الْعَيْنِ كَمَهٌ أَمْ عَشَى, أَإِلَيْكَ الأَمْرُ كَمَا تشاء, أَعَلَى الْقَلْبِ حِجَابٌ أَمْ غِشَا, يَا كَثِيرَ الْمَعَاصِي قَعَدَ أَوْ مَشَى, عَظُمَتْ ذُنُوبُكَ فَمَتَى تَقْضِي, يَا مُقِيمًا وَهُوَ فِي الْمَعْنَى يَمْضِي, أَفْنَيْتَ الزَّمَانَ فِي الْخَطَايَا ضِيَاعًا, وَسَاكَنْتَ غُرُورًا مِنَ الأَمَلِ وَأَطْمَاعًا, وَصِرْتَ فِي تَحْصِيلِ الدُّنْيَا مُحْتَرِفًا صَنَّاعًا, تُصْبِحُ جَامِعًا وَتُمْسِي مَنَّاعًا, فَتِّشْ عَلَى قَلْبِكَ وَلُبِّكَ قَدْ ضَاعَا تَفَكَّرْ فِي عُمْرِكَ مَضَى نَهْبًا, مُشَاعًا لا فِي الشَّبَابِ أَصْلَحْتَ وَلا فِي الْكُهُولَةِ أَفْلَحْتَ, كَمْ حَمَّلْتَ أَزْرَكَ وِزْرًا ثَقِيلا, وَاجْتَرَحْتَ يَا بُعْدَ صَلاحِ ما جرحت، يا سيء السَّرِيرَةِ كَمْ عَلَيْكَ جَرِيرَةٍ, وَيْحَكَ أَتَنْسَى الْحَفِيرَةَ, أَمْ هِيَ عِنْدَكَ حَقِيرَةٌ, أَيَّامُ عُمْرِكَ قَصِيرَةٌ وَتُضَيِّعُهَا عَلَى بَصِيرَةٍ لَقَدْ قَطَعَ الأَجَلُ مَسِيرَةً وَلَكِنْ عَلَى أَقْبَحِ سِيرَةٍ, ذُنُوبُكَ جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ, وعينك به قَرِيرَةٌ, مَا تُظْلَمُ بِهَا مِقْدَارَ شَعِيرَةٍ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِنَّمَا الدُّنْيَا سُوقٌ خَرَجَ النَّاسُ مِنْهَا بِمَا يَضُرُّهُمْ وَبِمَا يَنْفَعُهُمْ, وَكَمِ اغْتَرَّ نَاسٌ فَخَرَجُوا مَلُومِينَ وَاقْتَسَمَ مَا جَمَعُوا مَنْ لَمْ يَحْمَدْهُمْ, وَصَارُوا إِلَى مَنْ لا يَعْذِرُهُمْ فَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَا نَغْبِطُهُمْ بِهِ مِنَ الأَعْمَالِ فَنَعْمَلُهَا وَإِلَى مَا نَتَخَوَّفُ فَنَجْتَنِبُهَا.

وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الْمَغْبُونُ مَنْ عَطَّلَ أَيَّامَهُ بِالْبَطَالاتِ وَسَلَّطَ جَوَارِحَهُ عَلَى الْهَلَكَاتِ, وَمَاتَ قَبْلَ إِفَاقَتِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ:

(بَدَتْ دَهْيَاءُ تُنْذِرُ بِالْخُطُوبِ ... نُلاحِظُهَا بِأَبْصَارِ الْقُلُوبِ)

(وَقَدْ دَلَّ الْمَجِيءُ عَلَى ذَهَابٍ ... كَمَا دَلَّ الطلوع على الغروب)

يا هذا الطالب حييت فَبَادِرْ, وَالْفَضَائِلُ مُعْرِضَةٌ فَثَابِرْ, اتْرُكِ الْهَوَى مَحْمُودًا, قبل أن يتركك مَذْمُومًا, إِنْ فَاتَتْكَ قَصَبَاتُ السَّبْقِ فِي الْوَلايَةِ, فلا تفوتنك

سَاعَاتُ النَّدَمِ فِي الإِنَابَةِ, آهٍ لِلِسَانٍ نَطَقَ بِإِثْمٍ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ نختم على أفواههم} آهٍ لَيَدٍ امْتَدَّتْ لِلْحَرَامِ كَيْفَ نَسِيَتْ: {وَتُكَلِّمُنَا أيديهم} آهٍ لَقَدَمٍ سَعَتْ فِي الآثَامِ كَيْفَ لَمْ تتدبر: {وتشهد أرجلهم} آهٍ لجسد ربا عَلَى الرِّبَا, أَمَا سَمِعَ مُنَادِيَ التَّحْذِيرِ عَلَى ربى: {فلا يربو عند الله} آهٍ لِذِي فَمٍ فَغَرَهُ لِتَفْرِيغِ كَأْسِ الْخَمْرِ, أما بلغه زجر: {فاجتنبوه} .

(قَدْ كَانَ عُمْرُكَ مِيلا ... فَأَصْبَحَ الْمِيلُ شِبْرَا)

(وَأَصْبَحَ الشِّبْرُ عُقْدًا ... فَاحْفِرْ لِنَفْسِكَ قَبْرَا)

يَا مَنْ رَاحَ فِي الْمَعَاصِي وَغَدَا, وَيَقُولُ: سَأَتُوبُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا, كَيْفَ تَجْمَعُ قَلْبًا قَدْ صَارَ فِي الْهَوَى مُبَدَّدًا, كَيْفَ تُلِينُهُ وَقَدْ أَمْسَى بِالْجَهْلِ جَلْمَدًا, كَيْفَ تَحُثُّهُ وَقَدْ رَاحَ بِالشَّهَوَاتِ مُقَيَّدًا, لَقَدْ ضَاعَ قَلْبُكَ فَاطْلُبْ لَهُ ناشدا, تفكر بأي وجه تتلقى اردى, تَذَكَّرْ لَيْلَةَ تَبِيتُ فِي الْقَبْرِ مُنْفَرِدًا:

(أَيُّهَا الْمَشْغُوفُ بِالدُّنْيَا ... صُبُوًّا وَغَرَامَا)

(أَبَدًا هِيَ أَبَدًا تبطن ... في الشهد سماما)

(تخضع الراضع بالدرر ... وَتُنْسِيهِ الْفِطَامَا)

(فَإِذَا هَزَّ بِوَعْظٍ ... صَمَّ عَنْهُ وَتَعَامَى)

(فَهُوَ كَالشَّاكِي الَّذِي يَزْدَادُ ... بِالطِّبِّ سِقَامَا)

(وَكَمِثْلِ الطِّفْلِ فِي الْمَهْدِ إِذَا حُرِّكَ نَامَا ... )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت