فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 796

{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)}

(فصل عواقب المعاصي)

ينبغي لكل ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي. فإنه ليس بين الآدمي وبين الله تعالى قرابة ولا رحم، وإنما هو قائم بالقسط، حاكم بالعدل.

وإن كان حلمه يسع الذنوب، إلا أنه إذا شاء عفا فعفا كل كثيف من الذنوب، وإذا شاء أخذ وأخذ باليسير، فالحذر الحذر.

ولقد رأيت أقواماً من المترفين كانوا يتقلبون في الظلم والمعاصي الباطنة والظاهرة، فتعبوا من حيث لم يحتسبوا. فقلعت أصولهم. ونقض ما بنوا من قواعد أحكموها لذراريهم.

وما كان ذلك إلا أنهم أهملوا جانب الحق عز وجل، وظنوا أن ما يفعلونه من خير يقاوم ما يجري من شر، فمالت سفينة ظنونهم. فدخلها من ماء الكيد ما أغرقهم.

ورأيت أقواماً من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات. فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات. فكانوا موجودين كالمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم.

فالله الله في مراقبة الحق عز وجل. فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة، وجزاؤه مرصد للمخطئ ولو بعد حين.

وربما ظن أنه العفو - وإنما هو إمهال - وللذنوب عواقب سيئة.

فالله الله الخلوات. الخلوات.

البواطن البواطن. النيات النيات.

فإن عليكم من الله عيناً ناظرة.

وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه، فكم قد استدرج.

وكونوا على مراقبة الخطايا مجتهدين في محوها.

وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا، فلعله ...

وهذا فصل إذا تأمله المعامل لله تعالى نفعه.

ولقد قال بعض المراقبين لله تعالى: قدرت على لذة هي غاية وليست بكبيرة.

فنازعتني نفسي إليه، اعتماداً على صغرها، وعظم فضل الله تعالى وكرمه.

فقلت لنفسي: إن غلبت هذه فأنت أنت، وإذا أتيت هذه فمن أنت؟.

وذكرتها حالة أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في مسامحة كيف انطوت أذكارهم، وتمكن الإعراض عنهم.

فارعوت ورجعت عما همت به. والله الموفق.

(فصل استصغار الذنوب)

كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة. وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءاً لا يردونه. وقصد الدخول على من يأكل ليؤكل معه، والتسامح بعرض العدو التذاذاً بذلك واستصغاراً لمثل هذا الذنب.

وإطلاق البصر في المحرم استهانة بتلك الخطيئة.

وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن مقام رفعة القدر عند الحق. أو فتوى من لا يعلم لئلا يقال: هو جاهل ونحو ذلك مما يظنه صغيراً وهو عظيم.

وربما قيل له بلسان الحال: يا من اؤتمن على أمر يسير فخان. كيف ترجو بتدليك رضا الديان؟.

قال بعض السلف: تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف.

فالله الله، اسمعوا ممن قد جرب، كونوا على مراقبة. وانظروا في العواقب. واعرفوا عظمة الناهي. واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر فربما أحرقت بلداً.

وهذا الذي أشرت إليه يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب.

والعلم والمراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره، ويعلمانك إن تلمحت بعين البصيرة أثر شؤم فعله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت