(زِينَة الدُّنْيَا الزائلة)
فَيَأْخُذ الْكل ويجمعه والجبار جلّ جَلَاله يَقُول لَهَا اتركي مَا لم يكن لنا فَكل مَا كَانَ من زِينَة لم يرد بِهِ وَجه الله تَعَالَى أَخَذته النَّار ومناد يُنَادي أَصْحَابهَا هَذِه زينتكم الَّتِي اشتغلتم بهَا عَن طَاعَة الله عز وَجل وآثرتموها على مَا عِنْد الله وَلم تتبعوا سنَن النَّبِيين وَلَا سير الصَّالِحين
ثمَّ يُنَادي الْمُنَادِي اتبعُوا زينتكم فَتخرج عنق من النَّار مرّة أُخْرَى فتلتقط أَصْحَابهَا إِلَّا من رحم الله
(صَاعِقَة جَهَنَّم)
فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول كل عبد وَأمة يَا لَيْت هَذَا كُله جعلته فِي جنب الله يَا ليته لم يكن معي يَا ليته بعد عني ثمَّ يَأْمر الله تَعَالَى أَن ترْتَفع صَاعِقَة من جَهَنَّم سَوْدَاء فتسود وُجُوه أَقوام من الرِّجَال وَالنِّسَاء وتعمى أبصار قوم من الرِّجَال وَالنِّسَاء وتختم على أَفْوَاه قوم من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَذَلِك قَول الله عز وَجل {يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه}
يَا أخي يَا مِسْكين يَا ضَعِيف الْيَقِين مثلي أتراك من أَي الْفَرِيقَيْنِ تكون أَمن الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم فَفِي رَحْمَة الْملك الرَّحِيم أَو من الَّذِي اسودت وُجُوههم فِي الْعَذَاب الْأَلِيم أفهل تكون من الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم بِالرَّحْمَةِ أم من الَّذين اسودت وُجُوههم بالنقمة فَكل من اسود وَجهه قد أَيقَن بالنَّار وكل من ابيض وَجهه قد أَيقَن أَنه من أهل دَار الْقَرار
فيا لَهَا من فرحة مَا أعظمها وَيَا لَهَا من مُصِيبَة مَا أدومها فَإِذا نزل السوَاد فِي وَجه من شَاءَ الله تبَارك وَتَعَالَى صَار ذَلِك السوَاد حِجَابا بَينه وَبَين النّظر إِلَى وَجه مَوْلَاهُ وَإِذا نزل الْبيَاض فِي وَجه من أَرَادَ الله تبَارك وَتَعَالَى يبيض وَجهه رفع ذَلِك النُّور حجاب الذُّنُوب الَّذِي يحجب العَبْد عَن النّظر إِلَى وَجه علام الغيوب
(من ابيض وَجهه)
وَذَلِكَ أَن الْبيَاض نور الْمَغْفِرَة وَهُوَ نور الرَّحْمَة وَهُوَ نور الْقرب وَهُوَ نور الْوِصَال والسواد أَيْضا هُوَ سَواد الْبعد وَهُوَ سَواد الِانْفِصَال وَهُوَ سَواد النكال وَهُوَ سَواد النقمَة وَهُوَ سَواد الحجبة قَالَ الله تَعَالَى {كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون} [سورة المطففين 15] فالحجاب يَا مِسْكين يَا مغرور فِي الدُّنْيَا وَقع على قَلْبك باكتساب السَّيِّئَات ودوامك على الخطيئات واشتغالك عَن رب الْأَرْضين وَالسَّمَوَات قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [سورة آل عمرَان 30]
فيا معشر المذنبين أبعدوا السوء وأبدلوه بِالْإِحْسَانِ وارغبوا فِي نعيم الْجنان وَارْجِعُوا عَن الأوزار والعصيان فَإِنَّهَا تزيدكم من عَذَاب النيرَان
يَا أخي أبعد السوء وأبغضه بغضا شَدِيدا وَكن على إبعاده بِالتَّوْبَةِ جلدا جليدا من قبل أَن يَأْتِي يَوْم تود أَن لَو كَانَ السوء عَنْك بَعيدا وَلم تتبع شَيْطَانا غويا مرِيدا
وأنشدوا
(يَا من إِلَيْهِ جَمِيع الْخلق يبتهلوا ... وكل حَيّ على رحماه يتكل)
(يَا من نأى فَرَأى مَا فِي الغيوب وَمَا ... تَحت الثرى وحجاب اللَّيْل منسدل)
(يَا من دنا فنأى عَن أَن تحيط بِهِ ... الأفكار طرا أَو الأوهام والعلل)
(أَنْت الملاذ إِذا مَا أزمة شملت ... وَأَنت ملْجأ من ضَاقَتْ بِهِ الْحِيَل)
(أَنْت المنادى بِهِ فِي كل حَادِثَة ... أَنْت الْإِلَه وَأَنت الذخر والأمل)
(أَنْت الغياث لمن سدت مذاهبه ... أَنْت الدَّلِيل لمن ضلت بِهِ السبل)
(إِنَّا قصدناك والآمال وَاقعَة ... عَلَيْك وَالْكل ملهوف ومبتهل)
(فَإِن غفرت فَعَن طول وَعَن كرم ... وَإِن سطوت فَأَنت الْحَاكِم الْعدْل)
(حِكَايَة ذِي النُّون عَن الراهب الصَّامِت)
قَالَ ذُو النُّون رَحمَه الله ذكر لي عَن رَاهِب بِالشَّام أَنه لم يكلم أحدا مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة فَنَهَضت إِلَيْهِ فَلم أزل أنادي تَحت صومعته وَأقسم أَن يشرف عَليّ حَتَّى أشرف من أعلا صومعته فراودته على الْكَلَام فَأبى عَليّ فَقلت لَهُ بِالَّذِي سكت من أَجله وَمن خَوفه إِلَّا أجبتني عَمَّا أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ لي قل وَلَا تطل الْكَلَام عَليّ قلت لَهُ مُنْذُ كم أَنْت فِي هَذَا الْموضع فَقَالَ مُنْذُ يَوْم وَاحِد فَقلت لَهُ وَكَيف ذَلِك قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ أمس وَالْيَوْم وَغدا فَأَما أمس فقد فَاتَ وَأما الْيَوْم فلي وَأما الْغَد فَلَا أَدْرِي أبلغه أم لَا ثمَّ أَدخل رَأسه فَمَا كلمني وَهُوَ يبكي وَيَقُول لَا صَبر لي على النَّار
وأنشدوا
(أيا نفس لَا صبرا على النَّار فاعلمي ... وكوني على خوف من النَّار مَا عِشْت)
(ودومي على الأحزان مَا دمت حَيَّة ... عَسى تذْهب الأحزان عَنْك إِذا مت)
(يَقُولُونَ فِي طول الْكَلَام بلاغة ... وَقد علمُوا أَن البلاغة فِي الصمت)
(إِذا العَبْد لم يلْعَب هَوَاهُ بعقله ... عصى ربه وازداد مقتا على مقت)
(تَقْسِيم الْعُمر على الْأَعْمَال)
معشر المذنبين اجعلوا أعماركم ثَلَاثَة أَيَّام يَوْم مضى يَوْم أَنْتُم فِيهِ يَوْم تنتظرونه لَا تَدْرُونَ بِمَا يأتيكم من صَلَاح أَو فَسَاد ولعلكم لَا تبلغونه فأصلحوا الْيَوْم الَّذِي مضى بالندم على مَا فاتكم فِيهِ من الطَّاعَة وَالْإِحْسَان وَمَا اقترفتم فِيهِ من الذُّنُوب والعصيان وَالْيَوْم الَّذِي مضى إِنَّمَا تصلحونه فِي الْيَوْم الَّذِي أَنْتُم فِيهِ بالبكاء والندامة وذم النَّفس مَعَ الْمَلَامَة
وأنشدوا
(حَتَّى مَتى نَحن وَالْأَيَّام نحسبها ... وَإِنَّمَا نَحن فِيهَا بَين يَوْمَيْنِ)
(يَوْم تولى وَيَوْم أَنْت تَأمله ... لَعَلَّه أجلب الْأَيَّام للحين)
آنس الله روعتي وروعتكم يَوْم النشور وآنس وحشني ووحشتكم فِي الْقُبُور إِنَّه على ذَلِك قدير وَهُوَ عَلَيْهِ يسير وأماتنا وَإِيَّاكُم على هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله غير مبدلين وَلَا مغيرين وَلَا مبتدعين آمين رب الْعَالمين.