فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 796

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(12)}

(فصل سلم لما لا تعلم)

من تفكر في عظمة الله عز وجل، طاش عقله لأنه يحتاج أن يثبت موجوداً لا أول لوجوده.

وهذا شيء لا يعرفه الحس، وإنما يقر به العقل ضرورة.

وهو متحير بعد هذا الإقرار، ثم يرى من أفعاله ما يدل على وجوده، ثم تجري في أقداره أمور لولا ثبوت الدليل على وجوده لأوجبت الجحد.

فإنه يفرق البحر لبني إسرائيل، وذلك شيء لا يقدر عليه سوى الخالق، ويصير العصا حية ثم يعيدها عصا تلقف ما صنعوا ولا يزيد فيها شيء.

فهل بعد هذا بيان؟.

فإذا آمنت السحرة تركهم مع فرعون يصلبهم ولا يمنع والأنبياء يبتلون بالجوع والقتل، وزكريا ينشر، ويحيى تقتله زانية، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول كل عام، من يؤويني؟ من ينصرني؟.

فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول: لو كان موجوداً لنصر أولياءه.

فينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجود بالأدلة الظاهرة الجلية أن لا يمكن عقله من الاعتراض عليه في أفعاله، ولا يطلب لها علة.

إذ قد ثبت أنه مالك وحكيم، فإذا خفي علينا وجه الحكمة في فعله نسبنا ذلك العجز إلى مفهومنا.

وكيف لا وقد عجز موسى عليه السلام أن يعرف حكمة خرق السفينة وقتل الغلام، فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهر أقر.

فلو قد بانت الحكمة في أفعال الخالق ما جحد العقل جحد موسى يوم الخضر.

فمتى رأيت العقل يقول لم فأخرسه بأن تقول له: يا عاجز أنت لا تعرف حقيقة نفسك فما لك والاعتراض على المالك.

وربما قال العقل: أي فائدة في الابتلاء وهو قادر أن يثيب ولا بلاء.

وأي غرض في تعذيب أهل النار وليس ثَم تشف.

فقل له: حكمته فوق مرتبتك، فسلم لما لا تعلم، فإن أول من اعترض بعقله إبليس، رأى فضل النار على الطين فأعرض عن السجود.

وقد رأيتنا خلقاً كثيراً وسمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة لأنهم يحكمون العقول على مقتضاها، وينسون أن حكمة الخالق وراء العقول.

فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل أو أن تطلب له جواب اعتراض، وقل له سلم تسلم، فإنك لا تدري غور البحر إلا وقد أدركك الغرق قبل ذلك.

هذا أصل عظيم، متى فات الآدمي أخرجه الاعتراض إلى الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت