لم يزل ذكر نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منشورا وَهُوَ فِي طي الْعَدَم توسل بِهِ آدم وَأخذ لَهُ مِيثَاق الْأَنْبِيَاء على تَصْدِيقه فِي بعض درسه علم ادريس فِي ضمن وجده حزن يَعْقُوب فِي سر جده صَبر أَيُّوب فِي طي خَوفه بكاء دَاوُد بعض غنى نَفسه يزِيد على ملك سُلَيْمَان غير بعيد خل خلاله خلة الْخَلِيل ونال تكليم مُوسَى واسترجح لَهُ النّظر عِنْد قاب قوسين فَهُوَ جملَة الْجمال وكل الْكَمَال وواسطة العقد وزينة الدَّهْر يزِيد على الْأَنْبِيَاء زِيَادَة الشَّمْس على الْبَدْر وَالْبَحْر على الْقطر فَهُوَ أصدرهم وبدرهم وَعَلِيهِ يَدُور أَمرهم قطب فلكهم عين كتيبتهم وَاسِطَة قلادتهم نقش فصهم بَيت قصيدتهم حاتمهم خاتمهم
(شمس ضحاها هِلَال لَيْلَتهَا ... در تقاصيرها زبرجدها)
لما رأى تَخْلِيط قُرَيْش فِي دَعْوَى الشّرك فر فِي بادية الْهَرَب فتحرى غَار حراء فِي الْفِرَار للفراغ فرَاغ إِلَيْهِ فجَاء مُزَاحم {اقْرَأ} يَا رَاهِب الصمت تكلم قَالَ لِسَان الْعَجز البشري لست بقارئ فَحم لما حم فزمزم بِلَفْظ زَمِّلُونِي فصاح الْملك {يَا أَيهَا المزمل} يَا أطيب ثماركن يَا مَحْمُولا عَلَيْهِ ثقل قل {قُم}
لما بعث الْملك الْملك إِلَى نَبينَا برسالة {اقْرَأ} فتر الْوَحْي بعْدهَا مُدَّة مَاتَ قَوس الشوق فرمت الكبداء الكبد بكبد أعجز المكابدة فَكَانَ يهم لما يلقِي بإلقاء نَفسه من ذرْوَة الْجَبَل فَإِذا بدا لَهُ جِبْرِيل بُد لَهُ ثمَّ رميت الشَّيَاطِين عِنْد مبعثه بأسهم الشهب عَن قَوس {ويقذفون من كل جَانب} فَمروا إِلَى المغارب وَمَشوا إِلَى الْمَشَارِق ليقطعوا سبسب السَّبَب فجرت ريح التَّوْفِيق بمراكب بَعضهم إِلَى تهَامَة فصادفوه فِي الصلوة فصادفوه قُلُوب الْقَوْم فصاحت أَلْسِنَة الوجد {إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا}
تحركت لتعظيمه السواكن فحن إِلَيْهِ الْجذع وَسبح الْحَصَى وتزلزل الْجَبَل وَتكلم الذيب كل كنى عَن شوقه بلغاته فمرضت قُرَيْش بداء الْحَسَد فَقَالُوا مَجْنُون يَا مُحَمَّد هَذَا نقش يرقانهم لَا لون وَجهك
لما أَخذ فِي سفر {أسرى} فَنقل إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى برز إِلَيْهِ عباد الْأَنْبِيَاء من صوامعهم فاقتدوا بِصَلَاة رَاهِب الْوُجُود ثمَّ خرج فعرج فعرضت عَلَيْهِ الْجنَّة وَالنَّار حَتَّى عرف الطَّبِيب عقاقير الْأَدْوِيَة قبل تركيب الْأَدْوِيَة يَا لَهَا من لَيْلَة فل عزب حد سيف {أَتجْعَلُ فِيهَا} ظنت الْمَلَائِكَة أَن الْآيَات تخْتَص بالسماء فَإِذا آيَة الأَرْض قد علت
أَقبلت رُؤَسَاء الْأَمْلَاك تحيي الرئيس الْأَكْبَر فَرَأى فِي الْقَوْم ملكا نصفه من ثلج وَنصفه من نَار فَعجب لِاجْتِمَاع الضدين فَقيل لَا تعجب فعندك أعجب مِنْهُ لَو وزن خوف الْمُؤمن ورجاؤه لاعتدلا كَانَ جِبْرِيل دَلِيل الْبَادِيَة فَلَمَّا وصل إِلَى مفازة لَيْسَ فِيهَا علم يعرفهُ علم ابْن أَجود أَن الصدْق أَجود فَقَالَ هَا أَنْت وَرَبك
فَإِذا قَامَت الْقِيَامَة فموسى صَاحبه وَعِيسَى حَاجِبه والخليل فِي عسكره وآدَم يُنَادي بِلِسَان حَاله يَا ولد صُورَتي وَيَا وَالِد معناي مَا صعد من بحور الأكوان أشرف من درة نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طرة غرته أحسن من جمال يُوسُف لعاب فِيهِ اشفى من الْبُرْء شمس شَرعه لَا يُدْرِكهَا كسوف نَاسخ قمر دينه لَا يدْخل فِي محاق
كل الْأَنْبِيَاء فِي الْقِيَامَة تَقول نَفسِي نَفسِي وَهُوَ يَقُول أمتِي أمتِي فَإِذا سجد قيل ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع كم بَين ذل محب وإدلال مَحْبُوب الْحَيَوَانَات تذل فِي طلب الْقُوت والفيلة تتملق حَتَّى تَأْكُل يَا من هُوَ فِي جملَة جنود هَذَا الشجاع أيحسن بك كل يَوْم هزيمَة
لَوْلَا جد أَصْحَابه فِي جهادهم وشجاعتهم فِي صُفُوف قِتَالهمْ لافتضح الْمُتَأَخّرُونَ فَالْحَمْد لله على اليزل كَانُوا بِاللَّيْلِ رهبانا وبالنهار فُرْسَانًا قطع الرَّسُول طمع من طمع فِي لحاقهم بحسام مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه وَكَيف تنَال مرتبَة السَّابِق بِشَيْء وقر فِي صَدره أَو منقبة المهيب والعدو يفرق من ظله أَو مقَام الوقور فالملائكة تَسْتَحي مِنْهُ أَو فَضِيلَة مُزَاحم النَّفس فِي منزلَة كهرون من مُوسَى يأس وَالله الكهول من مُقَارنَة سَيِّدي كهول أهل الْجنَّة كَمَا لم تطمع الشَّبَاب فِي مزاحمة سَيِّدي شباب أهل الْجنَّة مَتى التهبت فِي صحابة الْأَنْبِيَاء عَزِيمَة كحمرة جَمْرَة حَمْزَة أَو علا على الْعَلَاء عَليّ كعلاء عَليّ لقد فَازَ بلقب الصدْق طَلْحَة الْجُود كَمَا سعد بِالْفَضْلِ وحوارى الزبير وسما بصلوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَلفه ابْن عَوْف كَمَا قرت بِلَفْظ فدَاك أبي وَأمي عين سعد وَنَجَا بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالْجنَّةِ سعيد كَمَا عز ابْن الْجراح بلقب الْأمين
وَلم يذكر باسمه بِالْقُرْآنِ غير زيد وَأَيْنَ فِي الموَالِي مثل سَالم وسلمان وَمن فِي الزهاد كمصعب وَابْن مَظْعُون وَإنه لمسعود عبد الله ابْن مَسْعُود وطوبى ثمَّ طُوبَى لخباب وصهيب وَيَا شرف المؤذنين بِصَوْت بِلَال وَيَكْفِي فخرا كوني بردا لعمَّار وَأي بَيت يشبه بَيت أبي أَيُّوب وَمن زين الْقُرَّاء الا ابي بن كَعْب وَمن فِي النُّقَبَاء كَابْن زُرَارَة وَابْن الرّبيع وَأَنِّي للفقهاء مثل معَاذ وَمن لَهُ زهد كزهد أبي ذَر وَالْفَخْر لبني هَاشم بِالْعَبَّاسِ وَكفى للبصراء قائدا ابْن أم مَكْتُوم وَأَنه لقدوة المؤثرين أَبُو الدحداح وَمن فِي قوام اللَّيْل مثل تَمِيم وَمن صَبر على الْقَتْل صَبر خبيب كلهم أخيار وجميعهم أبرار وَلَا مثل صَاحب الْغَار وَأَيْنَ نَظِير فتاح الْأَمْصَار وَمن يشبه قَتِيل الدَّار وَلَقَد افتقروا إِلَى الْمُجَاهِد بِذِي الفقار بحب هَؤُلَاءِ ترجى الْجنَّة وتتقي النَّار
إِن الله تَعَالَى لما حلى مُحَمَّد حلية التَّنَزُّه خلع عَلَيْهِ خلعة هِيَ الْإِسْلَام وَأَعْطَاهُ منشورا هُوَ الْقُرْآن ولواء هُوَ النَّصْر فَأَبُو بكر صدق النُّبُوَّة وَعمر أظهر الرسَالَة وَعُثْمَان جمع المنشور وَعلي حمل السَّيْف لما جلا الرَّسُول عروس الْإِسْلَام لم يكن بُد من نثار نثر عمر نصف مَاله فَرمي أَبُو بكر بِالْكُلِّ فَقَامَ عُثْمَان يُجهز جَيش الْعسرَة بوليمة الْعرس فَعلم على حَال الْغيرَة فَبت طَلَاق الضرة ثمَّ رأى بعض جهاز الدُّنْيَا الْمُطلقَة عِنْده وَهُوَ الْخَاتم فَسلم وَمَا سلم
(خطوا وأقلامهم خطية سلب ... فهم على الْخَيل أُمِّيُّونَ كتاب)
(أَن احسنوا كلما واخلو لقوا ذمما ... وَاخْشَوْشنُوا شيما فالقوم أَعْرَاب)