إخواني الْخلْوَة مهر بكر الْفِكر وَسلم مِعْرَاج الهمة حَرِيم الْعُزْلَة مصون من عيب غيث عَبث إِذا خلت دَار الْخلْوَة عَن الصُّور تفرغ الْقلب لملاحظة الْمعَانِي
(أوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيس)
(وتفردت فعاينتك ... بِالْغَيْبِ جليسي)
(وَدَعَانِي الوجد وَالْحب ... إِلَى الْمَعْنى النفيس)
(فَبَدَا لي أَن مهر الْحبّ ... أنفاس النُّفُوس)
(فَكتبت الْعَهْد للحب ... على طرس الرسيس)
يَا هَذَا إِذا رزقت يقظة فصنها فِي بَيت عزلة فَإِن أَيدي المعاشرة نهابة احذر معاشرة الْجُهَّال فَإِن الطَّبْع لص لَا تصادقن فَاسِقًا فَإِن من خَان أول منعم عَلَيْهِ لَا يَفِي لَك يَا أفراخ التَّوْبَة لازموا أوكار الْخلْوَة فَإِن هر الْهوى صيود إياك والتقرب من طرف الوكر وَالْخُرُوج من بَيت الْعُزْلَة حَتَّى يتكامل نَبَات الخوافي وَإِلَّا كنت رزق الصَّائِد الْأنس بالأنس ربق المخالطة توجب التَّخْلِيط وأيسر تأثيرها تشتيت الْهم
(أقل مَا فِي سُقُوط الذِّئْب فِي غنم ... إِن لم يصب بَعْضهَا أَن ينفر الْغنم)
قطع العلائق أصل الْأُصُول فرغ لي بَيْتا أسْكنهُ إِن الطَّائِر إِذا كَانَ زاقا لم يُرْسل فِي كتاب تأملوا إِلَى الْفرس إِذا قدم إِلَى المَاء الصافي كَيفَ يضْرب بيدَيْهِ فِيهِ حَتَّى يتكدر أَتَدْرُونَ لم لِأَنَّهُ يرى صُورَة نَفسه فِي المَاء الصافي وَصُورَة غَيره فيكدره حَتَّى لَا تتبين فِيهِ
الصُّور فيتهنى بالشرب لَا يظْهر فِي خلْوَة المتيقظ إِلَّا الْحق كَاد أويس يهرب من النَّاس فَيَقُولُونَ مَجْنُون وصف الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حلية حلته فقوي توق عمر وَكَانَ فِي كل عَام يسْأَل عَنهُ أهل الْيمن
(أَلا أَيهَا الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أَمْسَى هوانا يَمَانِيا)
(نسائلكم هَل سَالَ نعْمَان بَعدنَا ... وَحب إِلَيْنَا بطن نعْمَان وَاديا)
لما كَانَت آخر حجَّة حَجهَا عمر قَامَ على أبي قيس فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته أفيكم أويس
للشريف الرضى
(وَإِنِّي للشوق من بعدهمْ ... أراعي الْجنُوب رواحا ومغدى)
(وأفرح من نَحْو أوطانهم ... بغيث يجلجل برقا ورعدا)
(إِذا طلع الركب يممتهم ... أحيي الْوُجُوه كهولا ومردا)
(واسألهم عَن عقيق الْحمى ... وَعَن أَرض نجد وَمن حل نجدا)
(نشدتكم الله فليخبرن ... من كَانَ أقرب بالرمل عهدا)
(هَل الدَّار بالجزع مأهولة ... أنار الرّبيع عَلَيْهَا وأسدى)
(وَهل جلب الْغَيْث أخلاقه ... على محْضر من زرود ومبدا)
كَانَ أويس يَأْتِي الْمَزَابِل إِذا جَاع فَأَتَاهَا يَوْمًا فنبح عَلَيْهِ كلب فَقَالَ يَا كلب لَا تؤذ من لَا يُؤْذِيك كل مِمَّا يليك وآكل مِمَّا يليني فَإِن دخلت الْجنَّة فَأَنا خير مِنْك وَإِن دخلت النَّار فَأَنت خير مني
(ذل الْفَتى فِي الْحبّ مكرمَة ... وخضوعه لحبيبه شرف)
كَانَ الصّبيان يرمونه بِالْحِجَارَةِ والعقلاء عِنْد نُفُوسهم يَقُولُونَ مَجْنُون والمحبة تنهاه أَن يُفَسر مَا استعجم
(أبثهم وجدي وهم بِي أعلم ... وَأَرْجُو شفائي مِنْهُم وهم هم)
(وَكم كدت من شوق أبين من هم ... ويمنعني من ذَاك خوفي مِنْهُم)
(وَكم عذلوني فيهم غير مرّة ... فَقلت لَهُم وَالله بِالصّدقِ أعلم)
(إِذا كَانَ قلبِي موثقًا فِي حبالكم ... وجسمي لديكم كَيفَ أفهم عَنْكُم)
(فَإِن شِئْتُم أَن تعدلوا فتوصلوا ... إِلَى أَن يعود الْقلب ثمَّ تكلمُوا)
صَاحب أهل الدّين وصافهم واستفد من أَخْلَاقهم وأوصافهم واسكن مَعَهم بالتأدب فِي دَارهم وَإِن عاتبوك فاصبر ودارهم إِن لم يكن لَك مكنة الْبذر وَلم تطق مُرَاعَاة الزَّرْع فقف فِي رفْقَة {وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى}
أَنْت فِي وَقت الْغَنَائِم نَائِم وقلبك فِي شهوات الْبَهَائِم هائم إِن صدقت فِي طلابهم فانهض وبادر وَلَا تستصعب طريقهم فالمعين قَادر تعرض لمن أَعْطَاهُم وسل فمولاك مَوْلَاهُم رب كنز وَقع بِهِ فَقير وَرب فضل فَازَ بِهِ صَغِير علم الْخضر مَا خَفِي على مُوسَى وكشف لِسُلَيْمَان مَا غطى عَن دَاوُد
يَا هَذَا لَا تحتقر نَفسك فالتائب حبيب والمنكسر مُسْتَقِيم إقرارك بالإفلاس غنى
اعترافك بالْخَطَأ إِصَابَة تنكيس رأسك بالندم رفْعَة عرضت سلْعَة الْعُبُودِيَّة فِي سوق البيع فبذلت الْمَلَائِكَة نقد {وَنحن نُسَبِّح} فَقيل مَا تُؤثر سكَّة دراهمكم فَإِن عجب الضَّارِب بِسُرْعَة الضَّرْب أوجب طمسا فِي النقش فَقَالَ آدم مَا عِنْدِي إِلَّا فلوس إفلاس نقشها {رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا} فَقيل هَذَا الَّذِي ينْفق على خزانَة الْخَاص أَنِين المذنبين أحب إِلَيْنَا من زجل المسبحين
(واستعذبوا مَاء الجفون فعذبوا ... الْأَسْرَار حَتَّى درت الاماق)
يَا معاشر المذنبين إِن كَانَ يَأْجُوج الطَّبْع وَمَأْجُوج الْهوى قد عاثوا فِي أَرض قُلُوبكُمْ {فَأَعِينُونِي بِقُوَّة أجعَل بَيْنكُم وَبينهمْ ردما}
اجْمَعُوا لي عزائم قَوِيَّة تشابه زبر الْحَدِيد وتفكروا فِي خطاياكم لتثور صعداء الأسف فَلَا أحتاج أَن أَقُول {انفخوا} شيدوا بُنيان العزائم بهجر المألوف ليستحجر الْبناء فنستغني أَن نفرغ عَلَيْهِ قطرا هَكَذَا بِنَاء الْأَوْلِيَاء قبلكُمْ فجَاء الْأَعْدَاء {فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه}
(لَيْسَ عزما مَا مرض الْمَرْء فِيهِ ... لَيْسَ هما مَا عَاق عَنهُ الظلام)
الْجد الْجد فَمَا تحْتَمل الطَّرِيق الفتور ضَاقَتْ أَيَّام الْمَوْسِم فجعجعوا بِالْإِبِلِ كَذَا أسيد الضَّبِّيّ إِذا عوتب فِي كَثْرَة بكائه يَقُول كَيفَ لَا أبْكِي وَأَنا أَمُوت غَدا وَالله لَا أبكين فَإِن أدْركْت بالبكاء خيرا فَمن من الله عَليّ وَإِن كَانَت الْأُخْرَى فَمَا بُكَائِي فِي جنب مَا أَلْقَاهُ كَانَت عابدة لَا تنام من اللَّيْل إِلَّا يَسِيرا فوتبت فِي ذَلِك فَقَالَت كفى بطول الرقدة فِي الْقُبُور رقادا
(أَيهَا العذال لَا تعذلوا ... إِنَّمَا العذل لمن يقبل)
(وَأرى ليلِي لَا يَنْقَضِي ... طَال ليلِي والهوى أطول)
تزوج رَبَاح الْقَيْسِي امْرَأَة فرأته نَائِما طول اللَّيْل فَقَالَت لَيْت شعري من غرني بك يَا رَبَاح
(يَا عقيق الْحمى حمى الله مغناك ... وروى ثراك من مزن دمع)
(من لصب يشوقه لامح الْبَرْق ... فيرتاح قلبه للجزع)
(يَا خليلي مَا أَنْت لي بخليل ... ورفيق إِن لم تقف بِالربعِ)
هَذِه طريقهم فَأَيْنَ السالك هَذِه صفاتهم فَأَيْنَ الطَّالِب
(هذي الْمنَازل والعقيق ... فَأَيْنَ سلمى والخيام)
(لم يبْق مذ صاحوا النَّوَى ... لميتم فِيهَا مقَام)