(فصل)
كان أحد المتعبدين يجتهد في العبادة وكُلّما ذكر الله وصلّى يلوم نفسه ويقول: عدمتك يا قلب ما أقساك أصبحتَ وأمسيتَ لعظمة الله ناسياً، إلَهي كيف لي بالقرب منك وقاسي القلب بعيد عنك؟.
ليتَ شعري مَا الذي نلتُ أنا ... ليلةً أبرم فيها أمرنا
هل رضاني سيّدي عبداً له ... أو رماني حين ألفتُ الخنا
ودعاني أمْرُهُ عن إذنه ... عبدُ سَوءٍ أنْتَ لم تصلح لنا
هكذا يا عبد سوءٍ هكذا ... بعدما واصلتنا قاطعتنا
قد دعوناك فما عجلت لنا ... واختبرناك فما أعجبتنا
أيها الغافلُ! رَحَلَت القوافل، كيف يكون حال المستهام، إذ [[اقُوِّضمت] ] الخيام، وبرزت للرحيل الأعلام، يا معشر المحبين، ويا ذوي الأشواق، ما خُلق الفراق إلاّ لتعذيب العُشّاق، ولا خُلِق الرحيلُ والرواح، إلاّ لتعذيب الأرواح.
سَهَرْتُ غراماً والخَلِيُّون نُوَّمٌ ... وكيف ينامُ المستهامُ المُتيّمُ
ونادمني بعد الفراق ثلاثةٌ ... غرامٌ ووجد والسقام المُخَيِّمُ
أأحبابنا إن كان قتلي رضاكمُ ... فها مهجتي نَصْبٌ لكم فتحكّموا
بنعمان كم لي وقفةٌ في ظلاله ... أسائلُ كثبانَ الأبيرقِ عنكمُ
واستخبر الركبان عن ساكني الحمى ... وعن أهل نجد أين حَلّوا ويَمَّمُوا
بكيت الحمى حتى بكت لي قلاعُهُ ... وناديتُ وُرْقَ البانِ والقصد أنتمُ
أيا ساكني أرضَ العذيب لعلكم ... تزوروا مريضاً بالغرام مُتيَّمُ
ومن عَجَبِ الدنيا وأنتم أحِبَتي ... يُجارُ على ضعفي لديكم وأُظْلَمُ
ووجدي ذيّاك الذي تعرفونه ... وحبكم ذاك المصون المكتَمُ
وكيف يدوم الهجر والقلب عندكم ... ولم لا أحبّ السَقْمَ والسَّقْمُ أنتمُ
سادتي! ما أعذب أيام التلاق، ما أكثر بكاء المشتاق، ما أحرّ أنفاس العشاق، أين من نجدٍ أرضُ العراق، قُسِمَتِ الغنائم، وأنت يا مسكين نائم، الحربُ غبارٌ قائمٌ، وأنت غلامٌ نائم.
جئتُ مستخفياً وقد عرفوني ... فأنا تائب ترى يقبلوني
لي على الباب مُذْ وقفتُ زماناً ... كُلّما رمتُ وصلهم منعوني
لم اكن للوصال أهلاً ولكن ... انتمُ بالوصال أطمعتموني
فاجبروا كسر مُذنبٍ قد أتاكم ... يرتجي عفوكم بكم فارحموني
يا ولاة القلوب رفقاً بعبدِ ... ضاع منه فؤاده فاعذروني
في بحار الهوى غرقت بوجدي ... طال شوقي لهم وقد تركوني
أيها النفس ساعديني وجدّي ... ويح قلبي ومهجتي هجروني
طُوبى لمنْ وصَل، يا منقطعين فوزٌ لمنْ قُبل، يا مطرودين يا مسكين لو أرادوا قربك لاستخدموك، لو تذللت لهم لرحموك، لكنّك أعرضت عنهم فتركوك، ولم تَأْتِ على المقصود فأبعدوك، وعن بابهم وفضلهم طردوك، فإِن أردتَ قربهم فابك على نفسك وقد قبلوك.
لو بكتْ عيناك يا هذا دَماً ... ما تقدمتَ إلينا قَدَما
نُحْ علينا أَسَفاً أو لا تنحْ ... واقرع السنَ علينا نَدَما