روى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سمع جلبة (صوتا عاليا) خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصم منكم فلعلّ بعضهم أن يكون أبلغ من بعض.
وفي رواية ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها.
فيفهم من هذا أن قضاء القاضي لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا لأنه يحكم بما يظهر له من الدعوى والشهادة لا بعلمه ولا بمجرد الدعوى ، وكان القاضي شريح يفهم المحكوم له ويقول له إني لأظنك ظالما ، ولكن لا يعني إلا أن أقضي بما حضرني من البينة ، ألا فليحذر المدعون من ادعاء الباطل ومن إقامة شهود الزور لأخذ مال الغير ظلما بالقضاء ، وليحذر المدعى عليهم من الإقدام على الحلف كاذبا
لهضم حق الغير الذي لا شاهد له إلا اللّه مع كونه عالما بأنه مدين له ، فهي يمين الغموس التي تغمس صاحبها فِي النار ، وهذا كلّه من معاني الإدلاء بالباطل إلى الحكام ، أي النسبة إلى حكمهم ، فهم لا يسألون عن أحكامهم إذا كانت موافقة لظاهر الشرع ، وإنما يسأل المبطل ، لأن الحاكم العدل ملزم بأن يحكم بالظاهر ، واللّه تعالى يتولى السرائر ، ولا تنطبق هذه الآية عليهم إلا فِي حال أخذ الرشوة ، لأن فيها يكون الإدلاء إليهم ، أجارنا اللّه ووقانا.