لم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال (من عوام الصحابة) إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فِي رجله الخيط الأبيض والأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل اللّه بعده (مِنَ الْفَجْرِ) وقد أخرت من هذه الآية لهذا السبب.
وليعلم أن ما ذكرنا من النسخ فِي هذا آنفا هو باعتبار ما كان عليه الناس فِي الجاهلية ، وليس بالنسخ الذي يريده من قال به ، لأن النسخ الذي يريده هو إبطال حكم سابق بنص لا حق ، ومن المعلوم أن اللّه تعالى لم ينزل علينا فِي كتابه هذا حرمة الجماع والأكل والشرب على الصائمين بعد
العشاء أو فِي الليل حتى يقال إنه نسخ بهذه الآية ، وعليه فلا معنى للنسخ ولا القول به هنا البتة كما هو الحال فِي الكعبة ، لأن اللّه تعالى لم يأمرنا باستقبال البيت المقدس قبلا حتى يقال إنه نسخ استقباله بالأمر باستقبال الكعبة"ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ"أيها الصائمون بعد غياب الشمس من المحل الذي أنتم فيه لأنها قد تكون طالعة فِي غيره بسبب ارتفاع حدبة الأرض ، فهي دائما طالعة عند أناس ، غائبة عند آخرين ، وما جاء أن الأرض مفروشة أو مبسوطة أو ممهدة أو ممدودة من كل ما يدل على استوائها من الآيات فهو بالنظر لما نراه لا بالنسبة لما هي عليه من التكوين الإلهي ، فالنملة لا شك ترى البيضة مستوية مبسوطة بالنسبة لصغرها وعظم البيضة ، فنحن أصغر من النملة بالنسبة للأرض بملايين الكرات.
هذا ، ومن قال إن المراد بالليل طلوع النجم قول غير وجيه ينافيه معنى الغاية ، وما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ، أي جاز له الفطر.