وفي رواية أبي إسحاق وعبد بن حميد وأبي حاتم عنه بزيادة ، فأنزل اللّه تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) إلخ الآيات ، وهذا أليق بالمقام ، وفيه ردّ لقول القائل إن قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) متقدمة فِي التلاوة متأخرة فِي النزول عن قوله (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) إلخ ، على أنه لا مانع من القول بنزولها قبلها لأنها جاءت بلفظ الاستقبال ، فهي من قبيل الإخبار بالشيء قبل وقوعه كسائر المغيبات التي أخبر اللّه تعالى بها رسوله قبل نزولها ، وإنما غاظ اليهود تحويل القبلة وأزعجهم جدا لأنهم يرون ذلك قصدا لمخالفتهم ، حتى أنهم عمدوا إلى تخريب مسجد الرسول وحرضوا بعض الناس على تخريب الكعبة الشريفة ، كما ألمعنا إليه فِي الآية 114 المارة ، إذ كان نزولها وقت الأمر بتحويل الكعبة ، وقد أخبر اللّه تعالى فِي هذه الآية عما صاروا يقولونه بينهم من أجل ذلك ، وقد ذكرنا بعض هذا فِي الآية 115 المارة ، لأن حضرة الرسول منذ دخل المدينة كان يحب التوجه إلى الكعبة ، ولكنه لم يستبد بشيء يريده ، إلا أن يقترن بأمر اللّه وإرادته ، وكان فِي استقباله لبيت المقدس قرب لاستمالة اليهود إلى الإيمان به وتصديقه ، لأن وصفه مذكور فِي كتابهم وعضّده التوجه لقبلتهم ، ولكنه لم يزدهم ذلك إلا إنكارا وتعنّتا وحسدا وعنادا ، فلما أمره اللّه بالتوجه للكعبة صاروا يتقولون بما تسوّله لهم أنفسهم الخبيثة من أن محمدا ما ترك
قبلتهم إلا حسدا لعلمه أنهم على الحق وأن دينهم أعدل الأديان.
قال تعالى"وَكَذلِكَ"كما جعلنا شريعتكم وسطا بين شريعة موسى وعيسى ، لأن الأولى فِي غاية من الشدة والثانية فِي نهاية اليسر ، فكانت بين الصعوبة والسهولة جعلنا قبلتكم وسطا بين المشرق والمغرب أي بين قبلتي اليهود والنصارى ، لهذا"جَعَلْناكُمْ"يا أمة محمد"أُمَّةً وَسَطاً"لأنكم خير الأمم.
وجاء فِي الخبر: خير الأمور أوساطها.
قال زهير: