وما قيل إنه بقي ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من ربه ، ينفيه قوله تعالى"فَتابَ عَلَيْهِ"عقب دعائه هذا الذي لقّنه له ربه"إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ"كثير الرجوع على عباده بقولهم إذا تابوا وأنابوا"الرَّحِيمُ 37"كثير الرحمة بهم لرأفته عليهم.
قال تعالى"قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً"الأمر للأربعة المذكورين آنفا ، وهو تأكيد للأمر الأول لما فيها من زيادة كلمة (مِنْها) لبيان أن الهبوط من الجنة ، وزيادة لفظ (جَمِيعاً) للتوكيد على أن المراد الأربعة كلهم لا بعضهم ولما نيط به من زيادة قوله تعالى"فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً"يؤدي بكم إلى الجنة التي أخرجتما منها.
وما قيل إن الهبوط الأول من الجنة إلى سماء الدنيا ، والأخير من سماء الدنيا إلى الأرض يرده قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) الآية ، وفي هذه الجملة الأخيرة دلالة على جواز الجمع فيما زاد على الواحد ، راجع الآية 78 من الأنبياء ج 2 ، لأن الهدى لآدمو زوجته خاصة ولا يتصور دخول إبليس والحية فيه ، لأن إبليس محتم دخوله فِي جهنم على طريق التأبيد ، والحية قطعا تكون ترابا كسائر الحيوانات كما مر آخر سورة النبأ ج 2 ، والقول بخلاف هذا يعارض النص ، وكل ما خالف النص لا عبرة به ، وما قيل إن المراد هما وذريتهما فيه بعد أيضا إذ لم يكن لديهما ذرية إذ ذاك ولم يتصورانها"فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ"المنزل إليه"فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ"من الشدائد والأهوال فِي الدنيا والآخرة"وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" (38) على ما فاتهم من نعيم الدنيا.