وليعلم أن الحياء غير الخجل ومعناه كما مرّ وهو مركب من الجبن والعفّة والخجل حيرة النفس لفرط الحياء ، ولا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء الذي هو انقباض النفس عن القبائح ، فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله"فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ"ضرب المثل بتلك الحيوانات الحقيرة هو"الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ"لا يجوز إنكاره ، لأنه من الأمور المستحسنة عقلا المتعارفة عندهم ، ولا مناقشة فيما يذكره اللّه تعالى"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا"والمنافقون وأمثالهم"فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا"وهذا من قبل الاعتراض على اللّه تعالى ، وليس لمخلوق أن يعترض على خالقه ، لهذا فإنه تعالى وتقدس"يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً"من المكذبين فيزدادون كفرا"وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً"من المؤمنين فيزدادون به إيمانا"وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ 26"الخارجين عن طاعة اللّه ورسوله ، المستغربين ما ضرب اللّه به مثلا من تلك الحشرات من حيث لا محل للاستغراب والإمكان ، لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وادناء المتوهم من المشاهد ، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به كذلك ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به حقيرا أيضا ، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا مثل له بالضياء والنور ، وان الباطل لما كان غامضا مثل له بالظلمة ، ولما كان حال الآلهة المتخذة للعبادة لا أحقر منها مثل لها ببيت العنكبوت الذي لا أومن منه ، تأمل.
ثمّ وصف اللّه تعالى هؤلاء الفاسقين بقوله عز قوله"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ"الذي أخذه عليهم فِي عالم الذر ، وهو الإقرار بربوبيته كما مرّ فِي الآية 170 من الأعراف فِي ج 1 ، وهو غير العهد الذي أخذه على الأنبياء بتصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلم فِي الآية 7 من سورة الأحزاب الآتية ،