والمثل تشبيه الشيء الخفي بالشيء الجلي لمناسبة وجامع ، ليتأكد الوقوف على ماهية ذلك المشبه نهاية فِي الإيضاح ، وشرطه أن يكون فيه غرابة من بعض الوجوه وقد ضرب اللّه تعالى هذا المثل بالنار لثلاث حكم: الأولى أن المستضيء بالنار مستضيء بنور غيره ، فإذا ذهب بقي هو فِي الظلمة ، وكذلك هؤلاء لأنهم لما أقروا بالإيمان من غير اعتقاد فِي قلوبهم كان إيمانهم مستعار فلم ينتفعوا به ، لأن العارية مستردة.
الثانية احتياج النار دائما إلى مادة الوقود ، فإذا انقطع طفئت ، وكذلك الإيمان محتاج أبدا إلى مادة الاعتقاد والعمل ليدوم ، وإلا فينقطع ولم تبق فائدة فيه الثالثة أحداث الظلمة بعد النور أشد من الظلمة التي لم يسبقها نور ، ووجه
تشبيه الإيمان بالنور أنه أبلغ شيء بالهداية إلى المحجّة القصوى والطريق المستقيم وإزالة الحيرة ، وكذلك الإيمان فهو الطريق الواضح إلى اللّه ، ووجه تشبيه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق فيها لا يزداد إلا حيرة إذ لا يرى كوكبا يستهدي به ، ولا جبلا يستقبله ، ولا علامة يركن إليها ، وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه بالآخرة إلا حيرة إذ لا دين يعتمد عليه ، ولا عمل صالح يرجو ثوابه ، ولا شافع يأمل شفاعته ، فيزداد ندمه كما تزداد الظلمات بمجيئها بعد النور.
وهؤلاء المضروب بهم هذا المثل"صُمٌّ"عن سماع الحق"بُكْمٌ"عن النطق به"عُمْيٌ"عن رؤيته ، قد تقطعت قلوبهم وذهب إدراكها لأنهم لما كانوا فِي الدنيا يصدق عليهم قول القائل:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء كلهم أذن
وهؤلاء كذلك كتّامون للخير ، مذيعون للشر ، سماعون للإثم ، نطاقون به ، بصيرون فيه"فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ 18"عن نفاقهم واخلاقهم وكفرهم ، لأن الشيطان زيّنه لهم ، وان رؤساءهم حبّذوه إليهم ورغبوهم فيه.