والمدارة ليس كما زعموا لأنها جائزة إذا كانت لمنفعة مشروعة كالإصلاح بين الناس ، على أن لا تضر بالدين ، أما إذا كانت غير جالبة لمنفعة ولا دافعة لمضرة فتكون من قبيل بيع الدين بالدنيا ، وذلك حرام ، لأنها تكون مداهنة راجع الآية 9 من سورة نون فِي ج 1 ، وان عملهم ذلك ليس من هذين القسمين وإنما هو بقصد إثارة الفتن ونقض الجروح القديمة وتهيبج الخواطر بين الناس مما قد يؤدي إلى القتل ،
لذلك حقق اللّه فيهم الإفساد بدليل قوله (ألا) المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية ، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد التحقيق.
ثم أكده بأن المفيدة للتأكيد أيضا ، فظهر (إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) حقا بفعلهم ذلك"وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ 12"بأن فعلهم هذا يوجب تعذيبهم عند اللّه لما يترتب عليه من المفاسد بين المؤمنين وانهم قد يستخفون بذلك كاستخفاف الذين أشاعوا الفاحشة وصاروا يتشدقون بها حتى أنزل اللّه فيهم (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) الآية 15 من سورة النور الآتية ، وما قاله بعض المفسرين من أنهم لا يشعرون أن عملهم ذلك إفساد ، لا يناسب المقام ، ويدفعه كلمة الاستدراك التي جيء بها هنا ، بخلاف الآية الأولى فِي المخادعة ، إذ لم يدخل عليها الاستدارك ، لاحتمال أنهم يظنون أن مخادعتهم وإبطانهم الكفر وإظهار الإيمان تخفى على رسول اللّه وعلى المؤمنين ، ولا يعلمون أن اللّه تعالى يخبر رسوله بها ، وهو يخبر أصحابه ، فبين الآيتين فرق عظيم فِي اللفظ ، وبون شاسع فِي المعنى ، ولأن الذي يتكلم بالفساد ولا يعلم أنه فساد لا يؤاخذ مؤاخذة العالم بذلك ، قال:
وللزنبور والبازي جمعا لدى الطيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد باز وما يصطاده لزنبور فرق
وهذا إما ناشئ عن جهل مركب اعتقدوا بسببه الإفساد إصلاحا لما تكاثف على قلوبهم من رين المعاصي فوقعوا فِي محنة الجهل ، كما جاء فِي قوله: