فإذا اختلف على قَتادة مثلًا على وجهين متقاربين في القوَّة، وقد صحَّح البخاري أو مسلم أو غيرهما من الحفَّاظ أحد الوجهين، استدللنا بذلك على صحة هذا الوجه لأن علمهم بالعلة غالب على الظن، ومنهجهم في التَّرجيح من أصح المناهج، فلا عذر بعد ذلك لمن خالفهم إلا عند اختلافهم مع قوة قرينة الوجه الآخر.
ومن شواهد ذلك قول ابن حجر في حديث أخرجه البخاري بزيادة: «وأغرب الأصيلي فيما حكاه ابن بطال فقال: ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوْزاعي لأن شيبان وغيره رووه عن يحيى بدونها فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحدة قال وأما متابعة معمر فليس فيها ذكر العمامة وهي أيضا مرسلة لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو. قلت: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن فإنه مات بالمدينة سنة ستين وأبو سلمة مدني ولم يوصف بتدليس وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو وقد روى بكير بن الأشج عن أبي سلمة أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أمية إلى أبيه يسأله عن هذا الحديث فرجع إليه فأخبره به فلا مانع أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعد فسمعه منه ويقويه توفر دواعيهم على الاجتماع في المسجد النبوي وقد ذكرنا أن ابن منده أخرجه من طريق معمر بإثبات ذكر العمامة فيه وعلى تقدير تفرد الأوْزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته فتقبل ولا تكون شاذة ولا معنى لرد الرِّوايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية» [1] .
فقول ابن حجر: «بهذه التعليلات الواهية» ، يريد بها قرائن التَّرجيح التي يعملها ابن حجر نفسه في كثير من المواضع من شرحه. ولكن لما كانت الرِّواية في الصَّحيح والقرائن مخالفة لما صحَّحه البخاري في الظَّاهر، ردَّ ابن حجر ذلك بقرينة تصحيح البخاري الذي استند على قرائن أخرى.
(1) الفتح (1/ 408) .