أفي مثل هذه اللحظات التي تفيض صفاء وروعة وجمالًا وروحانية، وتغمر النفس بالخشوع القدسي للرحمن، أفي مثل هذه اللحظات لا أضرع إلى الله إلا بهذه الكلمات الملعونة الكفر: «اللهم انشلني من أحوال التوحيد» [1] ؟
بعد أن عرفنا رأي الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - بشأن ما جاء في ورد ابن بشيش وكذا ورد ابن عربي، وأنهما ينهلان من منبع غير صاف ويشربان من ماء آسن، بقي أن نعرف رأيه في ورد «ابن إدريس» ، وهو من كبار أئمة الصوفية، حيث ذكر شواهد من أوراده، على ما يدين به من اعتقاد في حق الله تبارك وتعالى، وحق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد وضح لنا وبين أنه - أي ابن إدريس - قد سلك نفس مسلك ابن مشيش وأنه يضرب في نفس التيه الذي سلكه سلفه من قبل.
ومن منطلق الحق والإنصاف والعدل في العرض، وهو المنهج الذي ألزم الشيخ عبدالرحمن به نفسه في الكتابة [2] ، نراه لكي يذكر - رحمه الله - الأدلة على ختل فكر ابن إدريس بما قاله صوفي آخر هو القاشاني، في شرحه لتائية ابن الفارض، والذي حاول أن يدثره بدثار من الغموض، وذلك لكي يبرز لنا المقصد الذي يرمي إليه ابن إدريس بما جاء في ورده من قوله: «سلطان حضرات الذات وما بعده» ، إذ يقول القاشاني في شرحه لتائية ابن الفارض: «اعلم أن للذات ثلاث حضرات هي أصولها الأولى:
-حالة الفردية: وهي حالة وجودها في عين الجمع حيث لم يكن معها شيء.
-الثانية المعية: وهي حالة وجودها مع كل شيء في عالم التفرقة.
-والثالثة الوترية: وهي حالة بقائها بعد فناء كل شيء في مقام الجمع.
والحضرة الأولى: ما وردت الصفات منها.
والحضرة الثانية: ما وردت إليها ثم صدرت عنها.
والحضرة الثالثة: ما صدرت إليها.
وفي حضرة الفردية تحتجب تعينات الأسماء والصفات المندمجة في الذات بظهور الذات.
وفي حضرة المعية تحتجب التعينات بالأسماء، والصفات
وفي حضرة الوترية كل واحد من الذات والصفات متجلية لا تحتجب بالأخرى [3] .
ثم يعقب الشيخ عبدالرحمن الوكيل رحمه الله على ذلك الشرح فيقول:
(1) يقول الشيخ عبدالرحمن الوكيل: «لقد أوليته كل هذا الاهتمام؛ لأن الصوفية على تباين طرائقهم يكادون يجمعون على أنه أعظم ورد صوفي» .
(2) مجلة الهدي النبوي (عدد 12) لسنة 1380 ه.
(3) (ج 1 ص 133) كشف الوجوه على هامش شرح ديوان ابن الفارض.