إنه لمما يورث الحسرة، أن ترى فريقًا من المسلمين يتخذون لهم مشايخ، يزعمون أنهم طريقهم إلى الله، ويعتقدون أنهم لا يصلون إلى مرضاته إلا بهم، وكذلك ما يعتقده البعض من مدد في أشياخهم ينفعونهم به في غير نظام الأسباب والمسببات.
وإن من أعجب العجب، أن يكون المريد مسلوب الإرادة مع شيخه، فلا يرد له أمرًا، ولا يعترض على فعل، وإذا أخطأ المريد، وقف بين يدي شيخه يقول: «تائب وراجع إلى الله، يا إخواني اقبلوني» .
وما ضّرَّ هذا المخطئ لو أنه توجه إلى الله بتوبته، فهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير.
وقد تصدى الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - لهذه المفاهيم الخاطئة بالشرح والنقد والتحليل، فكتب مقالًا في مجلة الهدي النبوي [1] شرح فيه «علاقة المريد بشيخه» ، كما جاءت في كتبهم، وعلى لسان شيوخهم، وأنه من الضروري - على حد قولهم - أن يرتبط كل فرد بشيخ من شيوخ التصوف، كما أوضح - رحمه الله- أن علاقة المريد بشيخه، لا تخرج عن أن تكون على أوجه منها: «من لا شيخ له فشيخه الشيطان» [2] . من هذا المنطلق حتى ولو كان المريد على بينة من ربه، وبصيرة في سلوكه، فإنه لابد له من الارتباط بشيخ، وعلاقة المريد بالشيخ توجب على المريد أن يحضر نفسه مع الشيخ، وأن ينسلخ من إرادة نفسه وأن يفنى في الشيخ بترك اختيار نفسه.
ويقولون: «من صحب شيخًا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه، فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة» .
على أن الشيوخ قالوا: «حقوق الأستاذية لا توبة فيها» [3] .
أية عاصفة من اليأس العميق، تجتاح نفس المريد إذا اقترف مع شيخه مثل ما حذروا منه؟!
ويقرر السكري الكبير في كتابه «هداية المريد» أنه يجب على المريد أن يذكر دائمًا، أنه بين يدي شيخه في كل نفس من أنفاسه، وليس له الاعتراض عليه في أمر أو نهي، بل عليه الطاعة وإن أمره بمعصية كإفطار رمضان، والإهمال في إقامة الصلاة.
ويحرم على المريد أن ينتقل من طريق إلى أخرى، فإن أشرك مع شيخه فهو المشرك بالله [4] .
ومما تجدر الإشارة إليه، أنه عندما أورد الإمام البقاعي في كتابه «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي» ما رواه القشيري - رأس الصوفية في زمانه - في كتابه «الرسالة باب حجب قلوب المشايخ» ، فيما كان من أمر عمرو بن عثمان المالكي مع الحلاج.
(1) مجلة الهدي النبوي - عدد 7 - لسنة 1380 ه - ص 37 - ص 43.
(2) الرسالة (ص 181) ، عوارف المعارف (ص 70) .
(3) الرسالة للقشيري (ص 150) .
(4) التصوف في مصر (ص 135) للدكتور توفيق الطويل، نقلًا عن قواعد الصوفية للشعراني، انظر أيضًا «دعوة الحق» لعبدالرحمن الوكيل.
(5) كتاب «مصرع التصوف» : تحقيق عبدالرحمن الوكيل (ص 267) .