فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 182

قبل أن نخلص إلى الحديث عن ورد ابن مشيش، وشرح الصوفي الكبير عبدالغني النابلسي لهذا الورد، نجد الشيخ الوكيل رحمه الله يؤكد أن الوصول إلى القمة التي دعى الإسلام إليها كل مسلم لا يتم إلا باتباع السبيل المستقيم - من شريعة الله وعقيدته، لا مجاهدات التصوف المزعومة، ولا شطحاته الموهومة، ثم يواصل حديثه قائلًا: «كل بسمات النور، وهمسات الطيور، وريا العبير، ورونق الصفاء في القبة اللازوردية، وسَبْحُ الأرواح في فيوض الأحلام وهذه النجود الساحرة في الفضاء الرحب، وكل ما نرى ونسمع ونشعر من تسبيحات الطهر للخلاق القدير بديع السماوات والأرض كل بحمده يسبح، وكل بالثناء عليه يلهج، وكل إليه يضرع في عبودية صافية خالصة إلا طائفة، إنهم أولئك الآبقون عن هدى الله، السارون في جمود تحت أقبية الليل، وهنالك تحت قباب الأوثان المفعمة بالوثنية من مباخر المجوس، تتجاوب أصداؤهم بهذا النعيق: «اللهم انشلني من أوحال التوحيد» .

لقد أمرهم الشيوخ بهذا، وأمر الشيخ كما يعتقدون هو أمر الله، ثم إن الشيوخ أقسموا لهم أن هذا الورد الذي ابتدعه عبدالسلام بن مشيش وبث فيه أخبث نتن الوثنية، هو أروع وأروح صلاة يضرع بها مؤمن، إنه ورد القديسين والربانيين والشهداء.

إنه المعبر الذي يجب أن يعبره من يريد الوصول إلى شاطئ الخلود الأبدي في الفردوس الأعلى، أو هو المعراج الذي ترقى عليه الروح إلى الربوبية الخلاقة، والألوهية المعبودة!! إنه كما يقول شارحه الصوفي الكبير عبدالغني النابلسي: «وقد تضمن حقائق شريفة، ومعاني دقائق لطيفة، برزت من عالم غيب رب العالمين، إلى سماء قلوب العارفين» .

أما ابن مشيش الذي افتراه، فيصفه النابلسي بقوله: حجة الطريقة، وينبوع الحقيقة، إسناد العارفين، ورافع لواء الواصلين [1] .

فلننظر في هذا الورد الذي برزت معانيه - كما يزعمون - من عالم غيب رب العالمين، والذي يعتبرون صاحبه رافعًا لواء الواصلين!!

يبدأ ابن مشيش ورده هذا بقوله: «اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار» ، ويقوم النابلسي بشرح هذه الفقرة ببحث عن الصلاة على الرسول، فيقول: «وهي أي الصلاة على الرسول - وإن اختلفت مواردها، وتنوعت مصادرها، فمرجعها إليه - أي إلى الرسول - وحقيقتها منه عليه، إذ ما صلى على محمد، إلا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن صلاة العبيد عليه صدرت منهم بأمره من صورة اسمه: «فميم» اسم محمد، رأس صورة آدم المكرم، وهذا الحكم جار فيها من آدم وبنيه، فإنها بأمره صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو - يعني الرسول -

(1) ص 55، 589، شرح النابلسي للصلاة المشيشية على هامش مجموع الأحزاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت