أما محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فيهدينا الله إلى حقيقته بقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران:144] ، وفي قوله سبحانه: {قد خلت من قبله الرسل} حجة من الحق تزهق الباطل الصوفي كله.
وأما اعتقاد المسلمين في نبيهم الحق، فهو أنه صلى الله عليه وسلم «بشر مثلنا يوحى إليه» ، فالقرآن - وهو كلام الله وهداه ورحمته - يفرض عليهم الإيمان بذلك، فلا مناص من الإخبات له بالقلب والفكر والشعور، ويزيدنا القرآن هدى؛ إذ يقرر أن بشرية الرسول الأعظم مثل بشريتنا، في أسلوب من القول مشرق الإعجاز في بلاغة البيان وفصاحته، في أسلوب يفرض على الفكر الإيمان بمعناه البين دون أن يشتبه معناه الحق حتى على الأمي الجاهل، وذلك في قوله قل: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110] .
كلام هو الحق والحكمة والهدي في أسلوب حكيم جلي محكم محكم، لا يأذن حتى لخاطرة واهية من ظن أن تقتحم عليك قدس يقينك؛ أو أن تحوم خفية حوله أو تفسد عليك شيئًا ما من فهمك لمعنى الآية. ومن تدبر «بشر مثلكم» لرأى أشعة الهدي الإلهي الأعظم تغمر حوله الوجود كله، وتهديك إلى الحق الذي يجب أن تؤمن به، ألا تراها تجعل بشريتنا هي المقياس الذي به نقيس بشرية رسول الله الكريم، حتى لا يفتنا حب هذه البشرية الطهور؛ فنظنها خلقًا آخر، أو نوعًا من البشرية يغاير في حقيقته بشريتنا، فلا ندرك كنهها، ولا شيئًا من خصائصها؛ لأنها لم تتحقق إلا في فرد واحد؟ لقد كان يكفي في الدلالة على المعنى أن يقال: «قل: أنا بشر» ، أو «أنتم بشر مثلي» ، ولكنه سبحانه - هو الحكيم العليم الخبير - شاء أن يعرفنا بشرية محمد صلى الله عليه وسلم بما نعرفه نحن من خصائص هذه البشرية التي فطرنا عليها، وبما نبتليه من قيمها ومقوماتها، وبما نعالج من غرائزها وعواطفها [1] وبما نعلمه - عن الله - من حقيقة بدئها وغاية منتهاها، وبما نتجاوب به مع رواد الوجود من حب أو كراهية. ولذا طعم صلى الله عليه وسلم، وشرب، وتزوج، ونجل خير البنين، وذاق الشبع والجوع والمرض، ومست قلبه الأحزان، وذرفت عيناه الدموع، وجاشت نفسه برحمة البكاء، وغير ذلك مما قضاه الله على البشرية من أقدار في هذه الحياة، ثم جاءه صلى الله عليه وسلم ملك الموت الذي وكل بنا.
غير أن بشريته صلى الله عليه وسلم آمنت حق الإيمان بما هداها الله إليه، وأنعم عليها به، فأدت حق الله كاملًا من الحق والشكر، وحلقت فوق قمة السمو الإنساني الأعظم، فكانت وحدها هي النجم الأرفع الأسمى، وتألقت بعبوديتها الخالصة فوق أعلى أفق للتوحيد الخالص، فما زلت بها عاطفة لإثم، ولا هنت بها غريزة إلى
(1) غرائز البشرية الصالحة وعواطفها نفس غرائز البشرية الطالحة وعواطفها في الفطرة والفرق أن صاحب الأولى وجهها وجهة الخير، ووجهها الآخر وجهة الشر.