إذا كانت ظاهرة الزهد قد انتشرت في منتصف القرن الثاني الهجري، كرد فعل لموجة الانحلال، التي اجتاحت العالم الإسلامي في أوائل حكم العباسيين، فإن الشيخ عبدالرحمن الوكيل يرد أصول الزهد إلى فكرة «المانوية» التي كان ينادي بها «ماني بن مالك» متنبئ فارس، الذي كان يوصي أتباعه بالزهد المسرف في الغلو وبعدم الزواج ليفنى العالم.
وفي هذا الشأن يقول - رحمه الله [1] :
أتدري عمن اقترف الصوفية دعوى الزهد الذي يحقر نعم الله، ويعمل لتحطيم كل مقومات الجماعة الإسلامية؟ إنهم بشروا بفتنة غية عن المجوسية المانوية التي آمنت بألوهية الخير والشر، وبأن هذين المتقابلين في قيم الأشياء امتزجا بربها الأكبر امتزاجًا تامًا.
وهذا الزهد الصوفي غير التقوى الإسلامية، فغاية الزهد الصوفي تدمير الجماعة الإسلامية، وغاية «التقوى» سمو بالفرد، وسمو بالجماعة.
إن الزهد الذي تبشر به الصوفية، حين تريد اغتصاب اليتيم والمسكين، ليس من شعائر الإسلام، ولا من شرعته في شيء، مهما حاولت الصوفية توشيته، ليبدو لضحاياها شعيرة دينية سامية.
ويستشهد الشيخ الوكيل - رحمه الله - على أن الزهد الذي تزعمه الصوفية فيه قضاء على الفرد، وعلى قوى الجماعة الإسلامية، وأن فيه صرف للهمم عن الجد والسعي في سبيل الخير للفرد والجماعة، بكلام المستشرق جولدن زيهر الذي يقول: عن أثر الزهد الصوفي في تغيير النظر إلى المثل العليا للمسلمين:
«تغير النظر إلى المثل الأعلى للحياة الإسلامية، فأصبح ينظر إليه من جهة تخالف تلك التي أقرتها تعاليم المذاهب السنية، وهكذا أثر الصوفية على الجماهير الخاضعة لنفوذهم، فقل إعجاب الناس بتلك السمة العسكرية لأبطال الإسلام، والشهداء الأقدمون الذين، ما كانوا إلا من فئة المجاهدين، فانصرفوا عنها، وولوا وجوههم نحو صور الزهاد الشاحبة، وأجسام العباد الهزيلة والرهبان المنقطعين في الصوامع، بل إن الأبطال الأقدميين في عصور الإسلام الأولى الذين كانوا مثالًا يحتذى، صار لزامًا عليهم أن يحصلوا على صفات البطولة الجديدة، أي أنهم جردوا من سيوفهم، وألبسوا أردية الصوف [2] .
ويمضي الشيخ - رحمه الله - معقبًا على كلام جولد زيهر بمقال في مجلة الهدي النبوي عدد (1) من المجلد (36) يوضح فيه، كيف كشف المستشرق بفقرته هذه، عن جناية مؤرخي الصوفية، على تاريخ أبطال الإسلام، وكماته السابقين.
(1) كتاب «هذه هي الصوفية» (ص 170) .
(2) كتاب هذه هي الصوفية ص 170، 171.