كما يصور المقال كيف حولت الصوفية، المثل الإسلامي الأعلى لأبطاله وكماته وشهداءه، إلى صورة مجاذيب ذوي خرق بالية قذرة ونتنة.
وكيف صار أولياء الصوفية بله شعث غُبرُ صُفر الوجوه، وثيابهم مراقع خلقة دنِسَة. ويستدل على ذلك بما جاء على لسان الشعراني في «الطبقات الكبرى» .
الدعوى إلى الخلوة بالعذلة:
على أن الأمر لم يقف عند دعوة الصوفية إلى الزهد الصوفي على ماله من آثار ضارة على قيم المجتمع الإسلامي، وعلى تغير النظر إلى المثل العليا للمسلمين.
بل دعوا إلى الخلوة، والعزلة، والفردية، حيث قال ذو النون [1] : «لم أر شيئًا أبعث على الإخلاص من الخلوة» .
وقال غيره: «إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة» .
وقال الجنيد: «من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس» .
وقال غيره: «الزم الوحدة وامح اسمك من القوم واستقبل الجدار حتى تموت» .
وقال أحدهم: «لقيني الخضرُ، فطلب مني الصحبة، فخشيت أن يُفسد عليَّ توكلي» .
وقال غيره: «إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة، وبصره بعيوب نفسه، فمن أعطي ذلك، فقد أعطي خير الدنيا والآخرة» .
إن الدعاة إلى هذه العزلة يصورونها تصويرًا فيه خلابة السحر وفتنة العشق، فيزعمون أنها عزلة العبد عن الناس؛ ليختلي بربه!!
ولكني أسأل: ما حال ذلك المجاهد الفدائي الذي يحمل سيفه، ويقتحم به الحرب في سبيل الله، ألا يكون مع الله سبحانه؟
وذلك الفلاح الذي يحمل فأسه، والعرق الساخن يتفصد من جبينه، وهو يضرب الأرض بفأسه القوي، متوكلًا على الله، ألا يكون مع الله؟
وأي الصنفين خير، أولئك الذين آثروا أنفسهم وغَلَّلهم حبها بالأثرة الطاغية، فاعتزلوا الناس جميعًا، دون أن يقدموا لهم خيرًا، بل عاشوا يطعمون من كد الناس، أم أولئك الذين آثروا الخير العام، والنضال والكد باسم الله؟
إن هؤلاء الدعاة يقيسون عشقهم لله - كما يزعمون - بعشقهم للغانيات، ففي عشق هؤلاء تستحب الخلوة والعزلة عن الناس عند عبيد الجسد، ولكن الله يا هؤلاء رب الجميع، لا رب فرد واحد حتى يختصه بالخلوة معه، إنه مع المحسنين، مع المتقين، مع الصابرين، ما قال: إنه مع المعتزلين، وإنما هو الله الرحمن الرحيم.
ترى ماذا يحدث لو أن كل مسلم استجاب إلى هذه الدعوة.
(1) مجلة الهدي النبوي عدد 12 لسنة 1379.