فقد نقرأ في صفحات التاريخ قصص بعض المسلمين الذين اعتزلوا الحياة ويحاول من يستهويهم هذا القصص أن يتخذ منه مثلًا أعلى في الحياة له، غير أن الحق يفرض علينا أن نعرض هذا على مبادئ الإسلام، فهل في هذه المبادئ السامية ما يبيح تلك العزلة الموحشة عن الحياة [1] ؟
إن الدين الذين ندين به، والحق الذي يفرض علينا الدفاع عنه والواجب الذي لابد من القيام به، يوجب علينا ذلك كله أن نعقب على ما ذكر.
لا ريب في أن هذه الدعوة دعوة قاتلة فاتكة، إنها دعوة إلى الخمول والضعف والجبن، إنها تؤثر الفرار من الحياة والإذعان الخانع لكل بغي وجور، وتؤثر العزلة الصماء التي تسد سمعها - إن كان لها سمع - عن كلِّ نداء جليل، وكل دعوة إلى الخير والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، والكفاح في سبيل بناء الجماعة على التآخي والتكافل البر الرحيم، إنها دعوة الأثرة الباغية التي تدفع بالأمة إلى هاوية العدم، ماذا يقدم هذا الجائع الذي يسحقه الفقر لأمته؟ أو هذا الجاثم على هواه في كهفه المظلم الرهيب؟
إنني أتصور الدنيا - إن جنحت إلى هذه الدعوة واتخذتها لها منهاجًا في الحياة - مغاور مظلمات يقبع في كل مغارة منها شبح معروق ضامر الجسد زائغ العينين متهدل اللسان والشفتين أشعثُ أغبرُ، تتوسل إشارات يديه الضامرتين إلى رشفة أو لقمة!!
تطابق عجيب:
ومما يستوقف النظر أن هذه الدعوة ظهرت تلح في النهي عن التزوج والكسب وطلب الحديث، وتوغر الصدور ضد الولد والأهل في وقت كانت الدولة الإسلامية تمور بالفتن، وتعج بالثورات التي تستهدف القضاء على الإسلام وأهله وحماته، ومما لا ريب فيه أن هذه الدعوة تمد هذه الثورة بالعون الكبير، وتعجل لها الوصول إلى الظفر بغايتها.
دفاع وردُّه:
قد يقال - وهذا لا ننكره - أنه وردت في هذه الكتب كلمات طيبات تدعوا إلى غير ذلك، بيد أن هذا أشبه ما يكون بلمحة من نور نجم قصى في ظلمات ليل بهيم، وأشدد بها جناية على الحق أن تحيطه بسياج من الباطل العربيد، ثم إن الدعوات الدينية يجب أن تكون صريحة خالصة، فلا تنزع إلى قليل من حق في الوقت الذي تنزع فيه إلى باطل كبير، والله يقول: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال} ؟ ليس بين الحق والباطل، أو بين الهدى والضلال من صلة. ولا يجوز في الدعوة إلى الله أن نخلط الحق بالباطل، أو أن ندعو إلى هدى وضلال، أو أن نذود عن الحقيقة بالشمال، ثم نحن نطعنها باليمين.
(1) كل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ولم يرد عنه أنه زاد عليها إلا في حديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه، فقد رووا أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتكف عامًا في رمضان، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يومًا، ولكن هل ترى صلة بين هدي النبوة وبين ما دعا هؤلاء الشيوخ إليه؟