ذاك هو محمد الصوفية، أما محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فقد جلا لنا ربه وخالقه، ومن اصطفاه رحمة للعالمين، جلا لنا حقيقته في قوله الحكيم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
ونحن نؤمن - كما هدى القرآن والسنة - بأن أول خلق الله هو القلم أو العرش، فمتى خلقت أسطورة الحقيقة المحمدية الصوفية؟! ونعلم بالتواتر القطعي أن عبدالله بن عبدالمطلب تزوج بآمنة بنت وهب، وأنهما أنجبا طفلًا سمي محمدًا، ,وأنه نشأ نشأة الخير والطهر والشرف والكرامة، وضيء الطفولة، نقي الصبا، طهور الشباب، فلم يشب نقاء صباه ريبة، ولم تهتف بقدس شبابه نزعة هوى، ولا نزعة صبوة، فكانت دنياه كلها معبدًا يطيب أصائله وعشاياه وأسحاره بذكر الله وحده.
ونعلم أنه جد في الحياة راعي غنم، ثم تاجرًا، فكان في حياته المثل الأعلى في الجد القوي الصالح، والأمانة التي تعتصم بالتقوى، والحكم الحكيمة في كل ما يصرف به شئون دنياه، والرعاية التي تقدس الحق والواجب كل ما حمل من أمانة، وأنه كان في أطوار حياته الكامل في الأدب والخلق، وحكمة العقل وسمو العاطفة، ونباغة الفكر، وقوة الإرادة ومضاء العزيمة، وجلال الشرف، وعزة الكرامة، ونبل المروءة، وكرم الإيثار والنجدة، وسماحة النفس، فلم يغمر قلبه إلا حب الله، ولم تنزع به الإرادة إلا إلى الخير، ولا العاطفة إلا إلى السمو، ولا الفكر إلا فيما ينال به رضا الله، جوادًا مسماحًا في سخائه وبره، محسنًا كل الإحسان في كل ما أنعم الله به عليه، فلم يغضب إلا للحق، ولم يجبن إلا عن الذنب، ولم يطمع إلا فيما هو عند الله، ثم اصطفاه ربه خاتمًا للنبيين، فجاهد في الله حق جهاده، وبلغ كل ما نزل إليه من ربه، وشهد الله له بذلك، ثم قبضه الله إليه بعد أن صارت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فصلوات الله وسلامه عليه.
هذا قبس نستهدي به حياة محمد صلى الله عليه وسلم، فقل لي من الحقيقة المحمدية، تلك الأسطورة الصوفية الموغلة في تيه القدم والعدم: من أبوها؟ من أمها؟ ومم خلقت؟ ولمن أرسلت؟