ذكرنا قبل ذلك أن فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله - قد قرر أن من الأسباب المفضية إلى ذيوع البدعة وانتشارها، اعتقاد العصمة في غير المعصوم، وأنه قال: وإننا كثيرًا ما نرى ذلك فيمن ينتسبون إلى طرق التصوف وأنهم يقرأون عن شيخ طريقتهم شيئًا من الأحوال التي تنافي الأحكام الشرعية، فيعتقدون أنها من التشريع الذي خص الله به عباده المقربين وأن شيخهم لا يفعل إلا حقًا. فيتبعونه في كل ما يؤثر عنه من قول أو فعل على أنه الطريق المقرب إلى الله الموصل إلى رضاه [1] .
قلت: ولقد ترتب على اعتقاد العصمة في غير المعصوم عند من ينتسبون إلى الطرق الصوفية، أن صار لديهم نوع من الإيمان بما جاء في كتب شيوخهم ولون من الإكبار لها.
وقد أدرك الشيخ عبدالرحمن الوكيل هذه الحقيقة عندهم، فذكر في كتابه «هذه هي الصوفية» أن الدرويش منهم إذا عرض عليه قول طيفور البسطامي أبو يزيد: «خرجت [2] من الله إلى الله، حتى صاح مِّنِي فيَّ، يا من أنا أنت» . أو قوله: «سبحاني ما أعظم شأني» [3] . أو إذا واجهه أحد بما جاء في الطبقات على لسان الشعراني فيما يقصه من كرامات «علي وحيش» الذي يقول عنه في طبقاته [4] : «كان الشيخ رضي الله عنه يقيم عندنا في خان بنات الخطا» ، وكان كل من خرج - أي بعد اقتراف الجريمة الباغية - يقول له: قف، قف حتى أشفع فيك.
ولم يكتف بذلك، بل كان يأتي الدابة وصاحبها قائم على رأسها، فيحصل له خجل شديد والناس يمرون عليه، وإن أبى شيخ البلد تستمر في الأرض لا يستطيع يمشي خطوه.
صاح الدرويش وقد رأيت في بدنه رعدة وهو يقول لك: «إن من يدين بهذا فهو كافر، ومن لا يعترف بأنه مدسوس فهو كافر حتى إذا خلا إلى شيطانه قال: «إن الشيخ ينفذ ما اطلع عليه من قدر الله المغيب، فما فعله كان طاعة لا معصية» [5] .
وقد وجه الشيخ الوكيل - رحمه الله - رسالة إلى شيخ الطرق الصوفية [6] يقول فيها:
(1) مجلة الهدي النبوي - عدد 2 لسنة 1380 ه، وانظر كتابنا «أسباب البدع ومضارها وأنواعها» .
(2) ص 160 ج 1 تذكرة الأولياء.
(3) ص 160 ج 1 تذكرة الأولياء.
(4) ص 135 ج 2 الطبقات طبعة صبيح.
(5) كتاب هذه هي الصوفية: عبدالرحمن الوكيل (ص 86، 87) .
(6) وجه الشيخ الوكيل رسالة إلى شيخ الطرق الصوفية وقت ذاك سماها صوفيات - ثم كتب بعدها كتابه هذه هي الصوفية. [فتحي عثمان] .