فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 182

يبدأ الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - حديثه عن الصوفية فكرًا وسلوكًا بطرح سؤال يقول فيه:

ما صلة التصوف بالإسلام؟ [1] .

ثم يثني على ذلك بقوله:

لقد كتب علينا الجلاد المستلئم، فسنظل نلهب بسياط الحق ظهور المتصوفة حتى تخر عليهم معابد الوثنية.

ويكفي أن يصور لنا المتصوف القديم السراج الطوسي هذا الخلاف الناشب حول التصوف فيقول: «سألني سائل عن البيان عن علم التصوف، ومذهب الصوفية، وزعم أن الناس اختلفوا في ذلك، فمنهم من يغلو في تفضيله، ورفعه فوق مرتبته، ومنهم من يخرجه عن حد المعقول والتحصيل، ومنهم من يرى أن ذلك ضرب من اللهو واللعب وقلة المبالاة بالجهل، ومنهم من ينسب ذلك إلى التقوى والتقشف ولبس الصوف والتكلف في تنوق الكلام واللباس وغير ذلك، ومنهم من يسرف في الطعن وقبح المقال فيهم حتى ينسبهم إلى الزندقة والضلالة» [2] أين الحق في هذا؟ وأين سبيله الهادي إليه؟

فأي الفريقين على صواب؟ وهنا يقول الشيخ الوكيل رحمه الله: «إننا سنعرض هذه القضية عرضًا عادلًا منصفًا فيه إسراف في العدل والإنصاف إن جاز لنا أن نعبر بهذا التعبير، وحسب القارئ إنصافًا في العرض، وإيثارًا للعدل الكريم أننا سنبسط أراء التصوف نفسه كما بثها كبار شيوخه، وكما دافعوا عنها، تاركين للقارئ الحكم، وحسبه أن يقارن بين أصول الإسلام التي يعيها كل مسلم وبين آراء التصوف، على أننا سنعين القارئ أحيانًا بتذكيره بأدلة هذه الأصول من آيات القرآن، وأحاديث السنة الصحيحة» .

لأن القضية في أساسها وأصولها ليست قضية عقلية، حتى نقدم لها الأدلة العقلية، وإنما هي قضية دينية، فأنصار التصوف يؤكدون - كما بينا - أنه هو حقيقة الإسلام. أما غيرهم، فيؤكدون غير ذلك. فكيف نفصل بين الفريقين؟ لا يصح هنا إلا الفصل بأدلة النقل الصحيح، الكتاب والسنة؛ إذ لا يماري أحد من الفريقين في أن الكتاب والسنة هما المصدران الأصيلان للإسلام.

من الإسلام إلى التصوف: يقول عبدالكريم القشيري - وهو من كبار أئمة الصوفية القدامى: «اعلموا - رحمكم الله تعالى - أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسمَّ أفضالهم في عصرهم بتسمية عَلَم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة. ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة التابعين، ورأوا ذلك أشرف سمة. ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد، ثم ظهرت البدع، وحصل

(1) عبدالرحمن الوكيل: مجلة الهدي النبوي، تحت عنوان «نظرات في التصوف» عدد 10 لسنة 1379 ه.

(2) (( اللمع(ص 5) مطبعة بريل بليدن سنة 1914 م، بتحقيق المستشرق «نيكلسون» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت