فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 182

التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زاهدًا، فانفرد أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة» [1] .

أما الكلاباذي، فيقول: «إنما سميت الصوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، وقال قوم: إنما سموا صوفية لأنهم الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم. وقال قوم: إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قوم: سموا صوفية للبسهم الصوف. وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم وذلك أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان وهجروا الإخوان» .

أسماء أخرى: ويذكر الكلاباذي أن الصوفية أطلقت عليهم أسماء أخرى. يقول: «فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء ولكثرة أسفارهم سموا سياحين ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية والشكفت بلغتهم الغار والكهف. وأهل الشام سموهم جوعية لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة» [2] .

ويقول ابن الجوزي: «كانت النسبة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم ومؤمن. ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد [3] والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها وأخلاقًا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من انفرد بخدمة الله سبحانه وتعالى عند بيته الحرام رجل كان يقال له: «صوفة» ، واسمه الغوث بن مر، فانتسبوا إليه لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى، فسموا بالصوفية» [4] .

وما ذكره ابن الجوزي يطابق ما قرره إمام الصوفية الكبير القشيري. وهو أن اسم صوفي لم يتسم به أحد من المسلمين لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد البررة الأخيار أصحابه رضوان الله عليهم، ولا في عهد التابعين ولا أتباع التابعين، وهم صفوة هذه الأمة بعد الصحابة، وأنه رأى اسم صوفي - لم يظهر إلا في العهد الذي فشت فيه البدع وثارت الفتن.

أول من سمي بالصوفي:

يقول صاحب كشف الظنون: «وأول من سمي بالصوفي أبو هاشم الصوفي المتوفي سنة 150 هجرية» [5] وكذلك ذكر السيوطي في أوائله [6] .

(1) الرسالة للقشيري (ص 7) .

(2) التعرف لمذهب أهل التصوف.

(3) نلحظ أن مادة الزهد لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، وذلك في معرض التحقير لنعمة كبرى من الله، وهذا في قوله سبحانه عن الذين باعوا يوسف: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} .

(4) تلبيس إبليس (ص 161) .

(5) كشف الظنون (1/ 222) .

(6) انظر تمهيد تاريخ الفلسفة للشيخ مصطفى عبد الرازق (ص 6) ، والبيان والتبيين بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون (1/ 366) ، وأبو هاشم ولد بالكوفة وأقام بالشام، أما صاحب اللمع، فينقل عن الحسن البصري قوله: «رأيت صوفيًا في الطواف» (ص 22) اللمع، ويريد بهذا النقل إثبات أن هذا الاسم كان معروفًا على الأقل في عهد خيار التابعين، وليس لما نقله دليل ثابت ولا مسند صحيح، ثم غالى الطوسي، فزعم أن هذا الاسم كان معروفًا قبل الإسلام، على أن الطوسي نفسه يذكر هذا رأي محوطًا بالشك منه، ودليل هذا قوله: «فإن صح ذلك يدل على أن قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم» (ص 22) المصدر السابق، وهذا قول رجل مرتاب لا رجل واثق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت