فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 182

وبهذا ندرك أن إدخال الصحابة في زمرة الصوفية [1] - كما يفعل بعض مؤرخي الصوفية - فيه عدوان على الحقيقة والحق والتاريخ. فأئمة الصوفية الموثوق بنقولهم - عند الصوفية - يؤكدون أن هذا الاسم لم يتسم به أحد قبل أبي هاشم الكوفي، أو بتعبير آخر قبل مضي أكثر من قرن بعد الهجرة، فكيف يجوز تسمية أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام باسم صوفي؟

اشتقاق كلمة صوفي:

يقول القشيري وهو في معرض نقد الآراء التي دارت حول هذا: «فأما قول من قال: إنه من الصوف فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف .... ومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي [2] . ومن قال إنه من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة. وقول من قال: إنه مشتق من الصف، فكأنهم الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة من الله تعالى، فالمعنى صحيح، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف» [3] .

أما ابن الجوزي، فيبسط لنا كل ما قيل حول هذا. وخلاصة ما ذكر أن هذا الاسم منسوب إلى أهل الصفة [4] - كما عرض القشيري - أو إلى الصوفاتة - وهي بقلة زعناء قصيرة، فنسبوا إليها، لاجتزائهم بنبات الصحراء، وهذا أيضًا كما يقول ابن الجوزي - غلط؛ لأنه لو نسبوا إليها، لقيل صوفاني. أو إلى صوفة القفا، وهي الشعرات النابتة في مؤخره، كأن الصوفي عُطِف به إلى الحق، وصرف عن الخلق، أو إلى الصوف، وهذا يحتمل أو إلى رجل اسمه

(1) أما القشيري الصوفي الكبير، فلم يؤرخ لهم في رسالته، ولم يحشرهم في زمرة الصوفية.

(2) لأن النسبة إليها صفي بضم الصاد وكسر الفاء مع تشديدها.

(3) الرسالة (ص 126) .

(4) يقول ابن الجوزي: «إن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ومال، فبنى لهم مسجدًا لرسول ثم يقول: وإنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين، استغنوا عن تلك الحال، وخرجوا» (ص 162) تلبيس إبليس ترى هل يكون الخير في التشبه بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين جاهدوا في الله حق جهاده؟ هل تصلح حياة أهل الصفة في هذه الحال التي أكرهوا عليها في أن نجعلها لنا مثلًا أعلى؟ أو الصالح والأصح حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حياة كفاح متواصل وجهاد مستمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت