فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 182

أخي أثلج الله صدرك بالتقوى، وأقر عينك بالهداية، وجعلك للصواب هاديًا، ويسرك للخير وجعلت للخير ميسرًا. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته وبعد.

فقد ذكرت لك منهج الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - في الكتابة عن الصوفية الفكرة والسلوك وقد انتهينا إلى أن الرجل كان مثال الاتصاف بالعدل في العرض. وأنه كان - رحمه الله - منصفًا أكثر من الذين يتعصبون للتصوف بجهالة ومن الذين يتعصبون ضد التصوف بجهل.

وبعد معايشة طويلة لفكر وكتابات الشيخ الوكيل - رحمه الله - انتهيت إلى أن مجمل رأيه في الصوفية الفكرة والسلوك لا يخرج عن كون الصوفية يسوون بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب، فالوجود هو الرب عندهم. وكان لهذا الوجود صفة الإطلاق، ثم شاء أن يتعين فظهر في صورة الحقيقة المحمدية، أو صورة قطب الأقطاب بمعنى آخر ثم تكثرت هذه الحقيقة المحمدية، أو تجزأت، فظهرت في صورة مختلفة، منها الأقطاب الحادثون، والأوتاد والأبدال، فكل واحد من هؤلاء جزء من الرب، أو هو الرب في أحد تعيناته، هذا هو نظام الوجود عند الصوفية.

إنهم أبوا تصديق الله فيما تكلم به عن نفسه، وأبوا تصديق الرسول فيما وصف به ربه، ونبذوا العقل، وصدقوا وثنية الفلسفة المارقة وجعلوا من قضاياها هوية الحقيقة وإنِّيتها، فأخذوا منها التسوية بين مفهوم الوجود وبين مفهوم الرب.

ثم جانبوا بعد ذلك الفلسفة كما جانبوا الدين وذهبوا يبنون نظامًا للوجود في غيبه وشهادته، وروحيته وماديته لا يقره عقل ولا يجيزه دين من الأديان.

ولما رأوا أن العقل يخالفهم اخترعوا أسطورة «الذوق» وقد عرفه الكمشخانلي يقوله: «هو أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي» ) [1] .

وعرفه ابن عربي: بقوله: «الذوق أول مبادئ التجليات الإلهية» [2] .

ولقد قالوا - أي الصوفية: إنما تستمد معارفنا من الذوق لا من العقل، والحقيقة عند الصوفية لا تدرك بالعقل وإنما «بالذوق» ولهذا تتعدد الحقائق بتعدد الأذواق فلكل صوفي ذوق خاص يدرك به الحقيقة.

والصوفية في هذا أشبه السوفساطئيين في ناحية المعرفة غير أن السوفسطائيين جعلوا الإحساس الجزئي أساس المعرفة، أما الصوفية فهم اخترعوا أسطورة «الذوق» هذا للتخلص من أحكام العقل.

أما تحايلهم للتخلص من الدين الحق فيتمثل في اختراع أسطورة الظاهر والباطن. فالصوفية عندما وجدوا أن خرافاتهم ينكرها الشرع. راحوا يقولون إن للقرآن أو الشريعة ظاهرًا وباطنًا.

(1) كتاب جامع الأصول: للكمشخانلي.

(2) اصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية: لابن عربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت