فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 182

يقول ابن عربي: «اللهم أَفِضْ صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أول التعينات المفاضة من العماء الرباني [1] ، وآخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني، المهاجر من مكة - كان الله [2] ، ولم يكن معه شيء ثانِ - إلى مدينة، وهو الآن ما عليه كان، محصى عوالم الحضرات الخمس [3] في وجوده، سر الهوية في كل شيء سارية، الجامع بين العبودية والربوبية الشامل للإمكانية والوجوبية [4] ، أرأيت إلى قطب الصوفية الأكبر في غي إلحاده الأكبر، يفتري أن محمدًا هو الله، وتأمل دعاء مكره، فيما يعبر به عن كفره، في قوله: «المهاجر من مكة كان الله ولم يكن معه شيء ثان إلى المدينة» . إنك حين تقرأ تلك الجملة دون تدبر ستظن أن فيها خللًا، وأن جملة «كان الله، ولم يكن معه شيء ثان» لا صلة لها بما قبلها، ولا بما بعدها، وأعترف أني خدعت، فظننت أن هذه الجملة مقحمة، وحرت في إدراك هدف ابن عربي من وضع تلك الجملة التي تبين عن حق كريم بين باطل عربيد وآخر لئيم! بيد أني عدت إلى النص أتلوه، وفي فكري دين ابن عربي، وثمت بدا لي هدفه في وضح وجلاء، وتبين لي أن الجملة ليست مقحمة، وإنما هي لحمة دينه وسداه، فلنعد إلى الجملة نرتبها كما تحتم قواعد اللغة الصحيحة «المهاجر من مكة إلى المدينة كان الله، ولم يكن معه شيء «ثان» ما زدنا شيئًا على قوله، ولا نقصنا منه، وكل ما فعلناه هو وضع قوله: «إلى المدينة» موضعه، بعد أن نأى به ابن عربي عنه؛ ليمكر به، ويلتوي على القراءة فهمه! بهذا يبدو لك جليًا أن ابن عربي يفتري أن المهاجر من مكة إلى المدينة لم يكن هو محمدًا رسول الله، وإنما كان هو الله متجليًا في صورة اسمه فيها «محمد» .

ولا ريب في أنك تعرف أن صاحب الرسول في الهجرة كان أبا بكر، غير أن ابن عربي يقول: «ولم يكن معه شيء ثان» ، يعني أن أبا بكر هو الآخر لم يكن إلا الله متعينًا في صورة اسمه فيها: «أبو بكر» [5] .

(1) العماء عند الصوفية: هو الحضرة الأحدية، وهذه تتعين بالتعين الأول؛ لأنها محل الكثرة وظهور الحقائق والنسب الأسمائية. جامع الأصول مادة العين.

(2) نصب لفظ الجلالة باعتباره خبرا لكان، فيكون معنى الجملة «المهاجر من مكة كان هو الله» .

(3) يجعلها القاشاني ثلاثًا فقط: الفردية وهي حالة وجود الذات الإلهية في عين الجمع حيث كانت ولم يكن معها شيء ثان، الثانية حضرة الوترية وهي حال بقائها بعد فناء كل شيء في مقام الجمع، الثالثة حضرة المعية وهي حالة وجودها مع كل شيء في عالم التفرقة، والأولى ما وردت الصفات منها، والثانية ما صدرت إليها، والثالثة ما وردت إليها ثم صدرت عنها.

كشف الوجوه الغر (ص 133) .

(4) ص 2 مجموعة الأحزاب - ط استامبول سنة 1298 ه.

(5) كل هذا ينطلق من أصل واحد يقوم عليه الفكر الصوفي وهو وحدة الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت