أخص خصائص الإسلام، الدعوة إلى اعتقاد الوحدة المطلقة لله تعالى، والتخلص من جميع شوائب الشرك.
ولقد دعا القرآن إلى التوحيد، دعوة جادة لا هوادة فيها، وساق الحجة والبرهان، ولم يترك سبيلًا ولا حجة تفضي إلى الإقناع إلا سلكها وأدلى بها.
وكل مسلم لابد له من أن يعتقد في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الصفات، وأن يقتنع أن من كمال التوحيد أن يعتقد - عند إثبات التوحيد لله - أن الله واحد في الذات والصفات، وأنه ليس كمثله شيء.
فأين يكون الصوفية من ذلك الاعتقاد؟
لقد أكثر الصوفية في كلامهم عن الحديث عن المحبة والفناء، وجعلوا الذوق هو طريق المعرفة الحقة، وأن الشريعة للعوام، وأن الحقيقة للخواص، وأن لكل شيء ظاهر وباطن، فمن ثم اتسم فكرهم عن الجانب الإلهي بالغموض والإبهام، وظهرت فيه آثار الغنوصية [1] والباطنية، مما دعى بعض الباحثين إلى التساؤل، عما إذا كان هناك علاقة بين غلاة الصوفية والباطنية والإسماعيلية والفلاسفة [2] .
ومن هنا وجدنا أن كتابات الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - عن الجانب الإلهي في فكر الصوفية، قد اتسمت بالصراحة والوضوح والعمق، حيث خصص - رحمه الله - بابًا كاملًا، بل ربما أكثر من ذلك، في كتابه «هذه هي الصوفية» عرض فيه للحديث عن الجانب الإلهي في فكر الصوفية، وعن الحقيقة المحمدية، وعن وحدة الأديان، كما جاءت في كتبهم وعلى لسان كبرائهم.
وأحب هنا قبل أن أنقل لك ما كتبه الشيخ عبدالرحمن الوكيل عن الجانب الإلهي في الفكر الصوفي، أن أقفك على ما جاء في كتاب «من قضايا التصوف» من أن الكثير من الصوفية يصرح [3] بأن ظاهر الشرع هو نصيب العامة الواقفين عند رؤية العقل وأحكامه، أما باطنه فيختص به الصفوة من أهل المعرفة الحقيقية، فالمسلم الواقف عند ظواهر الشرع وأحكام العقل، يرى في إثبات التوحيد لله أن الله واحد في الذات والصفات، وأنه ليس كمثله شيء.
(1) انظر الغنوصية فصل وسيلة المعرفة عند الصوفية.
(2) يقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتاب «من قضايا التصوف» (ص 86) : ومن يقرأ تاريخ القرن الثالث والرابع الهجريين وظروف نشأة هذه الفرق لابد أن يدرك الخيوط القوية بين هذه التيارات الجديدة الغريبة على الحياة الإسلامية، ولابد أن يدرك أن هناك خيوطًا مشتركة وعقلًا يفكر وينظم فليس من قبيل المصادفة، أن تجد فكرة الظاهر والباطن قاسمًا مشتركًا بين كل هذه الطوائف وليس من قبيل المصادفة أن تجد خصائص وأوصاف الإمام عند الشيعة هي أوصاف القطب، والولي عند الصوفية، وهذه العلاقة القوية أشار إليها ابن خلدون في المقدمة (ص 223) ، ويقول الدكتور الجليند أيضًا (ص 79) : ومن جهة أخرى لو قارنا بين فكرة الظاهر والباطن عند الباطنية، والحقيقة والشريعة عند الصوفية، سوف نجد صلة قوية بين الفكرتين. [فتحي عثمان] .
(3) كتاب من قضايا التصوف: دكتور محمد السيد الجليند (ص 146) .