أما العارف فيتجاوز ذلك إلى إثبات أن الله هو الوجود الحقيقي، وهو أصل الموجودات وليس سواه وجود ولا موجود، ويجعلون ما سوى الله أشبه بأشعة منبعثة من ضوء الشمس الحقيقية، ويرى الشيخ عبدالرحمن الوكيل أن الجيلي مثلًا كان يؤمن بوحدة الوجود، ويدلل على صحة رأيه في عقيدة الجيلي بشرح عدة أبيات وردت في كتاب «الإنسان الكامل» للجيلي (ص 33، ج 1) : يقول في شرحه [1] :
«تأمل سخريته بالشرائع لا لشيء سوى أنها تحكم بالمغايرة بين الخلق والخالق في الذات والصفات، والجيلي يشبه الوحدة بين الله وخلقه، بالوحدة بين الثلج والماء، فكلاهما عين الآخر، فالثلج ماء متجمد، والماء ثلج ذائب، والمغايرة بينهما في الاسم لا في الحقيقة، فكذلك الله وخلقه؛ إذ المغايرة بينهما في الاسم فقط، كالمغايرة بين الماء حال تجمده وبينه حال ذوبانه» .
وإذا كان كثير من الصوفية يصرح بأن ظاهر الشرع للعامة، وأما باطنه فيختص به الصفوة من أهل المعرفة.
وأن البعض منهم يرى أن المغايرة بين الله وخلقه في الاسم لا في الحقيقة.
فسنرى بعد ذلك من الصوفية من يرى أن العارف [2] الكامل يُلْقِى من حسابه معنى الأضداد ويستوي في نظره جميع المذاهب والأديان، فلا فضل لدين على آخر، ولا لمذهب على آخر.
(1) كتاب هذه هي الصوفية: عبدالرحمن الوكيل (ص 118) ، وكتاب دعوة الحق للوكيل (ص 33) .
(2) يقول الدكتور محمد السيد الجليند: وإن الصوفي الناضج لا يهتم بأن فلانًا يتبع المذهب الفلاني أو يتعبد على مذهب كذا أو هو على دين كذا، لأن العارف يعتقد أن مسجده في قلبه «فالذين يعبدون الله في الشمس يرون الله شمسًا، والذين يعبدونه في أشياء جامدة يرون الله شيئًا جامدًا، والذين يعبدونه بصفة أنه وجود واحد ليس كمثله شيء يعتقدون أن الله ليس له شبيه ولا مثيل، والعارف الحق لا يقيد نفسه أبدًا بإحدى هذه الطرق، ويحكم بخطأ سواها، وإذا كان لون الماء لون إنائه فإن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون الإناء الذي يحل فيه.
وهنا يصل الصوفية إلى القول بوحدة الأديان لا تعددها، وهذا اللون من الكلام لا نجده عند ابن عربي فحسب، بل سبقه إليه الحلاج ومدرسته، وكذلك عفيفي التلمساني (ص 147) من كتاب «من قضايا التصوف بين الكتاب والسنة» .