فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 182

يقول شيخهم الأكبر ابن عربي [1] في أحد أدعيته: «اللهم يا رب من ليس حجابه إلا النور، ولا خفاءه إلا شدة الظهور، أسألك بك في مرتبة إطلاقك عن كل تقييد التي تفعل فيها ما تشاء وما تريد» .

وبكشفك عن ذاتك بالعلم النوري وتحولك في حضرة صور أسمائك وصفاتك بالوجود الصوري أن تصلي على سيدنا محمد صلاة تكتمل بها بصيرتي بالنور المرشوش في الأزل، لأشهد فناء ما لم يكن، وبقاء من لم يزل وأرى الأشياء كلها في أصولها معدومة مفقودة، وكونها لم تشم رائحة الوجود فضلًا عن كونها موجودة [2] .

«ولكي نعي ما يريده ابن عربي نذكر رأيه في الوجود، أو في الله سبحانه.

يرى ابن عربي أن الله كان وجودًا مطلقًا لا يتميز باسم ولا بصفة، فأراد سبحانه أن يظهر هذه الحقيقة، وتفصلت وتكثرت، فكان ذلك الوجود المادي الذي نراه.

فإن شئت - فقل عن الكون: إنه عين الله باعتبار باطنه، وإن شئت، فقل عنه: إنه غيره باعتبار ظاهره، ولكنها غيرية اعتبارية فحسب؛ إذ ما ثم إلا الله، أو ما ثم إلا حقيقة واحدة ذات وجهين؛ أحدهما يسمى: حقَّا، والآخر يسمى خَلقًا.

ولهذا يتحدث ابن عربي في ورده هذا عن «مرتبة الإطلاق» ويعني بها حال «الوجود» قبل التعين في مظاهره المحسوسة، وهي مرتبة «الأحدية» التي ليس للحقيقة الإلهية فيها أسماء وصفات، فمناط الأسماء والصفات ليس الذات، وإنما مناطها مظاهر الذات المتنوعة، ولهذا صح عند الصوفية إطلاق أسماء الأشياء وصفاتها على الله إطلاقها حقيقيًا، لأنها عينه وحقيقته.

ويتكلم عن تحوّل ربه في صور أسمائه وصفاته بالوجود الصوري!! ويعني بالوجود الصوري وجود الكائنات؛ إذ ما ثم لها وجود حقيقي، فوجودها الباطن هو الوجود الإلهي.

أما التحول في صور الأسماء والصفات، فيعني به ظهور الحقيقة الإلهية في صور المظاهر الكونية التي هي تعينات أو تجدات لصفات الحقيقة الإلهية وأسمائها، والتي يطلق عليها حقيقة أسماء الله وصفاته، ولاسيما الربوبية والألوهية!!

ويتكلم عن «فناء ما لم يكن، وبقاء من لم يزل» ويعني بقوله الأول: فناء الكائنات في نظر القلب ولمسات الشعور رغم وجودها في مجال الحس!! ويعني بالقول الآخر بقاء الحقيقة الإلهية ظاهرة وحدها في كل شيء بحيث لا تخفي المظاهر حقيقة الظاهر، أو لا تخفي صورة ما ظهر وهو الكون، حقيقة ما بطن، وهو الله، يضرع ابن عربي إلى

(1) محيي الدين بن عربي الطائي الأندلسي، صاحب الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، وزعيم القائلين بمذهب وحدة الوجود، وخلاصة فكره كما جاء في ص 92، من كتاب الفصوص ج 1 ط الحلبي: ما في الوجود مثل، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة والشيء لا يضاد نفسه. انظر كتاب هذه هي الصوفية: للشيخ عبدالرحمن الوكيل (ص 210) .

(2) مجموعة الأحزاب - ط 1298 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت