فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 182

صار الحق خلقًا، إن إلههم كان وجودًا مطلقًا. «بل يقول النابلسي نفسه: إن الله منزه حتى عن قيد الإطلاق» لأن وصفه بالإطلاق تعين له، والله بدأ أمره عندهم كان غير متعين.

أقول: كان إلههم وجودًا مطلقًا، أي عماء، ثم أراد أن يتعين فصار واحدًا فبدت الحضرة الواحدية، ثم تكثر فظهرت حضرة الهوية؛ وحضرة الإنية، أي باطن الذات وظاهرها، وهذه الحضرة الواحدية يسمونها: الحقيقة المحمدية، لأن إلههم تعين أول ما تعين في صورة الحقيقة المحمدية، فالحقيقة المحمدية عند الصوفية تشبه العقل الأول عند الفلاسفة.

مما مضى تشم رائحة أسطورة التثليث عند الصوفية، فالذات كانت عماء، ولابد - لكي تخرج من بساطتها وتجردها - من مرورها بثلاثة مراحل:

الأولى: مرتبة الأحدية

الثانية: مرحلة الهوية.

الثالثة: مرحلة الإنية.

ثم إن الله - تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا - يتجلى حسب وثنية الصوفية في الإنسان بجميع صفاته، ومعنى هذا: أن الحق يتحقق وجوده الكامل في النشأة الإنسانية، أن يصبح الحق والخلق عينًا واحدة تتحقق في صورة ولي أو نبي والإنسان الكامل إذن هو أنموذج للذات الإلهية عندهم، لهذا كان ثلاثي الطبيعة، كما أن الله ثلاثي الطبيعة عندهم.

ولهذا يقول الجيلي:

إن قلت: واحدة صدقت وإن تقل ... اثنان حقًا إنه اثنان

أو قلت: لا. بل إنه لمثلث ... فصدقت ذاك حقيقة الإنسان

ومن هو ذلك الإنسان عند الجيلي؟ إنه ربه، ولهذا يقول بعد هذا مثبتًا الصفات الإلهية، بل بمعنى أدق، مثبتًا حقيقة الذات الإلهية للذات الإنسانية في جوهرها وعرضها، في أحديتها وهويتها، وإنيتها، شارحًا تلك المراتب الثلاثة التي تمر بها الذات الإلهية، أو التي تتركب منها الذات الإلهية التي تعينت إنسان، فيقول:

انظر إلى أحدية هي ذاته ... قل: واحد، أحد، فريد الشان

ولئن ترى الذاتان قلت: لكونه ... عبدًا وربًا، إنه اثنان

وإذا تصفحت الحقيقة، والتي ... جمعته مما حكمه ضدان

تحتار فيه فلا تقول: لسفله ... عال، ولا لعلوه هو دان

بل سم ذلك ثالثًا لحقيقة ... لحقت حقائق ذاتها وصفان [1]

(1) (ص 9) من كتاب الإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي - ط 1293 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت