فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 182

فيه، فيجب لهذا أن ينتجه بطريق غير مباشرة. وفي الأزل أي بوسائط أزلية متدرجة وفق سلسلة ميتافيزيقية [1] . لهذا اخترعوا ما سموه العقل الأول وما سموه النفس الكلية وغير ذلك.

أما الصوفية فأجابت عن هذا السؤال وهو: كيف يصدر الكثير عن الواحد؟ وما علاقة المحسات هذه بالوجود المطلق، أجابت بأن الله هو عين هذا العالم.

حسب تصوير ابن عربي والجيلي، أو بأن الله حالٌ في ذلك العالم حسب تصوير الحلاج فضلال الصوفية والفلسفة إنما جاء بسبب افتراضهم قضايا ظنوها صادقة، أنه لا يمكن صدور العالم من الله دون أن يتغير الله، أو تعدد الذات، وبسبب تطبيقهم مفهوم الوجود على الله، فحسبوا تعدد الوجود تعددًا في الذات.

لهذا لم يتردد الصوفية في الجواب عن ذلك بقولهم: إن الوجود الواجب هو بعينه وجود العالم، فليس ثمت غير الله، بل الكون والله شيء واحد.

ولكن لما كان الوجود المطلق لا يمكن أن يكون إلا صورة في الذهن، فقد لجأوا - لكي تنسجم نظريتهم - إلى القول بالتعينات الإلهية، أو التنزلات، أو الفيوضات حسب اختلاف أذواق الصوفية ومواجيدهم، وإلى القول بالعماء [2] ، وحضرة الواحدية [3] ، والأحدية [4] ، والهوية [5] ، والإنية [6] ، نعم اخترعوا هذه الأسماء الأسطورية، ليفسروا كيف تكثر الواحد، وكيف أصبح المطلق متعينًا ولماذا نفهم أن هذا الكون هو بذاته الله - تعالى جد ربنا - وكيف

(1) انظر الجزء الثاني من كتاب «الجانب الإلهي» تأليف الأستاذ الدكتور محمد البهي (ص 43) وما بعدها، فقد صور ما سماه الفلاسفة مشكلة الوجود تصويرًا دقيقًا، وانظر كتاب المدخل للفلسفة الإسلامية تأليف جوتييه وترجمة الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى.

(2) هي الحضرة الأحدية عند الصوفية وتتعين هذه الحضرة بالتعين الأول لأنها محل الكثرة وظهور الحقائق والنسب الأسمائية، أو بمعنى أصرح العماء هو حيث كان الله لم يظهر في مادة الصوفية.

(3) هي مجلى ظهور الذات فيها صفة والصفة فيها ذات، أو هي اعتبار الذات من حيث انتشار الأسماء منها وواحديتها بها مع تكثرها بالصفات، فالواحدية هي إذن حيث تعين الله، ووصف بوصف مع اشتراط أن تكون الصفة هي عين الذات، والذات عين الصفة.

(4) عبارة عن مجلى الذات ليس للأسماء ولا للصفات، ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور، فهي اسم لصرافة الذات المجردة من الاعتبارات الحقية والخلقية، وليس لتجلي الأحدية في الأكوان مظهر، والفرق بين الأحدية وبين الواحدية أن الأحدية لا يظهر فيها شيء من الأسماء والصفات، والواحدية يظهر فيها صفات وأسماء مع اشتراط الموصوف عين الصفة، وقد فرق الجيلي بين العماء والأحدية وسوى بعضهم بينه وبينها ولا داعي لذلك هنا.

(5) هوية الحق غيبه الذي لا يمكنه ظهوره فهي باطن الواحدية.

(6) إنية الحق تحديد بما هو له فهي إشارة إلى ظاهر الحق، فالهوية: باطن الحق، والإنية: ظاهره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت