لقد تكاتفت الصهيونية والصليبية والمجوسية والوثنية تؤازرها الغنوصية التي نسجت خيواطها العناكب الضالة من كل نحلة، لتكيد للإسلام وأهله، وعن معنى الغنوصية وأثرها السيئ على الجو الإسلامي، كتب الشيخ عبدالرحمن الوكيل في كتابه «هذه هي الصوفية» ، وفي مجلة الهدي النبوي يقول: «الغنوص كلمة يونانية في الأصل «المعرفة» ، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيًا خاصًا هو إدراك الأسرار الإلهية بواسطة الكشف.
والذي أعطاها هذا المعنى طائفة من المفكرين، عاشوا في القرون الأربعة الأولى من ميلاد المسيح، ومنهم يهود ومسيحيون ووثنيون، وأهم ما يدينون به هو الثنائية بين المادة والذات الإلهية، ومحاولة اجتياز الفاصل بينهما عن طريق سلسلة الوسطاء.
والمادة عندهم هي أصل الشر، والسبب الذي من أجله انحطت طبيعة الإنسان ولكن الإنسان يستطيع عن طريق الخلاص «الزهد» أن يعود إلى الذات الإلهية الأصل.
وفي مجال الحديث عن الأثر السيئ لفكرة الغنوصية يسوق الشيخ طرفًا من أقوال بعض المفكرين العرب والمسلمين، وأيضًا المستشرقين جاء فيه: غير أنها تطورت على يد «بازليدس» «وفالنيتنوس» وغيرهما، فقد قام هذان بمزج المذاهب المختلفة من فارسية وسريانية وأفلاطونية وفيثاغورية ورواقية بالمسيحية واليهودية، وكونوا من هذا كله نوعًا من الصوفية، ويقول الأستاذ النشار:
«وقد استطاع الغنوص أن يسيطر على الصوفية، ودخلت فكرة الثنائية بين المادة والله في عقائدهم» .
ويقول كارل هينرش بيكر: «ولقد سادت روح الغنوص فرق صدر الإسلام كلها، ثم سادت التصوف الذي كان بعد في البدء بدعة خارجة عن الدين، ولكنه أصبح بفضل الغزالي خاليًا من السم معترفًا به» .
ثم يقول: «الغنوص كان يحارب الإسلام دينيًا وسياسيًا» [1] .
وعن الأثر السيئ أيضًا الغنوصية في إفساد الجو الإسلامي يذكر الشيخ الوكيل في كتابه «هذه هي الصوفية» ما يقوله هينرش بيكر في أنه: «من الثابت أن الغنوص قد أثر في إيجاد هذه الصورة التي صورتها العصور الوسطى المتأخرة «لمحمد» ، وكان سببًا في إيجاد ما يشبه عبادة «محمد» ، وهذه العبادة وتلك الصورة مخالفتان لما كان عليه الإسلام الأول كل المخالفة، أما الأولياء في الإسلام ففي مقابل الأرواح القدسية في الهلينية «هم الكائنات الروحية الوسطية بين الذات الإلهية وبين المادة عند الغنوصية» . من كل هذا وغيره من فكرة الذوق، والكشف والعشق والغنوص، ترى أن الجذور الأولى للتصوف لم تكن نبات أرض طيبة، وكانت غريبة عن الجو الإسلامي الذي ساد قرونه الأولى.
(1) انظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور علي سامي النشار (ص 44) وما بعدها، والتراث اليوناني ترجمة الدكتور عبدالرحمن بدوي، مقال «تراث الأوائل في الشرق والغرب» لكارل هينرش بيكر (ص 10) وما بعدها.