فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 182

وآخرون من أسارى الصوفية يزعمون أن تلك الكتب أسرارٌ ورموزٌ، لا يفقها إلا أولئك الذين أباح لهم الغيب الخفي مكنونه، وقدس أسراره، أو الذين هتك الله عنهم الحجاب الأعظم، فخروا تحت عرشه سجدًا يسمعون وحيه، ويسجلونه رموزًا [1] في شعرهم ونثرهم.

-من صفات القرآن يا هؤلاء أنه «بيان للناس» ، ومن الناس عالمون وجاهلون، ومنهم أميون وكاتبون قارئون، ولكن الله جعله بيانًا لهم جميعًا، ميسرًا للذكر؛ ليعبد كل امرئ ربه على بصيرة.

بيد أني سأنحدر إلى فرية أولئك، فأزعم أن كتب الصوفية رموز مُقّنَّعة بالخفاء، وأسرارٌ ملثمةٌ بسحر الغيب!!.

ولكن أسألك: كيف يُعْبد الله برمز مقنع بالإبهام، وسر مستغرق في الغموض يحمل من الكفر وجهًا ظاهرًا؟!

أيحق لامرئ أن يعبد ربه بشيء أطبق عليه الجهل به، وبغير ما شرعه الله في كتابه وأوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؟!

وأسألك - ولا تغضب إذا ألحفت في تساؤلي: أتفقهون يا كهنة الصوفية دلائل تلك الرموز، أم لا تفقهونها؟ فإن تكن الأولى، فأبينوا لأتباعكم؛ لتطمئن قلوبهم بالمعرفة، ولنزداد في نقدكم إنصافًا، وإن تكن الأخرى، فإنها دين الببغاء تردد ما لا تعي.

أما مع الحق، فأقول: لقد قرأت لابن عربي، ولابن الفارض، وغيرهما جُل ما كتبوا، وما شرح به تلاميذهم تلك الكتب، فلم أجد في كل ما قرأت رمزًا مستورًا، ولا سرًا خفيًا، بل دلائل صريحة تكشف في جلاء صريح عن حقيقة معتقد الصوفية.

ترى أي رمز في قول ابن عربي:

«العارف من يرى الله في كل شيء، بل يراه عين كل شيء» .

إن ابن عربي خشي أن يتوهم أتباعه حتى «الظرفيَّة» المجازية في كلمة «في» أو الحلولية الحلاجية، وفيها ثنائية تناقض الوحدة، خشي ابن عربي ذلك، فأطاح الوهم بيقينه الجازم، ليؤمن الصوفية بوحدة الوجود إيمانًا لا تنال منه شائبة وهم، ليؤمنوا بأن الله هو عين كل شيء، وأن كل شيء هو الله.

هذا بعض ما كتبه الشيخ الوكيل في كتابه «هذه هي الصوفية» عن زعم الصوفية أن في كتبها رموزًا وأسرارًا.

فإذا انتقلنا إلى كتاب «مصرع التصوف» للإمام البقاعي، ثم رأيناه يروي عن الإمام السكوتي قوله بعد أن حذر من ابن عربي «وليحذر في مواضع كثيرة من كلام ابن عربي الطائي في فصوصه وفتوحاته المكية، وغيرها، وليحذر

(1) أما الدكتور فيليب حتى، فيقول: «ودين محمد عملي صريح، وقلما يشير إلى هدف عال يصعب نواله، ويكاد أن يكون خلوا من العقد اللاهوتية، وليس فيه أثر للأسرار الرمزية المقدسية، أو مراتب الكهنوت، وما رتبته أصول الرسامة والتكريس والخلافة والرسولية» ، وكلها مناصب دينية في المسيحية (ص 178 - ج 1) تاريخ العرب العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت