فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 182

يقولون - ونحن لا ندفع قولهم، وإنما ندفع ما يرتبون عليه: - إن في هذه الكتب كلامًا جليلًا رائعًا جميلًا، نعم. ولكني أسأل: لماذا ننسب هذا الحق الجليل إلى غير مصدره الأصيل، لماذا لا ننسبه إلى الإسلام؟ أليس في نسبته إلى التصوف تجريد لهذا الحق من أجمل مقوماته؟

وفي معرض الرد على شبه الذين يقولون: إن الخلاف شكلي أو سطحي، وأنه لا يهم نسبة هذا الأمر إلى الإسلام أو إلى التصوف، وأنهم يستمدون هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نراه - رحمه الله - يقول: إن الخلاف عميق، فالله يقول: {إن الدين عند الله الإسلام} ، ولم يقل عند الصوفية، وإذا كان أنصار التصوف يرفضون أن يطلق على رسومهم غير التصوف، فما بالهم يريدون منا غير هذا بالنسبة للإسلام.

ولقد كان منهج الشيخ الوكيل إيثارًا للعدل، هو أن يبسط آراء التصوف كما بثها كبار شيوخه ثم يترك للقارئ الحكم في أن يقارن بين أصول الإسلام، وبين آراء التصوف، على أنه كان يعينه أحيانًا بتذكيره بأدلة هذه الأصول من آيات القرآن الحكيم، والسنة المطهرة.

وحسبك دليلًا على ذلك أن تقرأ ما كتبه عن الزهد وما كتبه عن التقوى، إذ يقول:

إن الزهد [1] لم يرد له ذكر في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان لله أن يدعو عباده إلى تحقير نعمه العظيمة، أما الذي ورد في كتاب الله، فهي «التقوى» ، والتقوى جماع الخير والفضل والمعروف، ألم يكن سليمان عليه السلام تقيًا، وهو ينعم بهذا الملك الكبير، ألم يكن الأغنياء من أصحاب الرسول أتقياء والمال تسيل أوديته بين أيديهم أنحقر من شأن هؤلاء البررة الأخيار؛ لأنهم لم يحقروا نعم الله؟ أو لم يزهدوا في المال؟

الزهد «مانوية» ملحدة، و «التقوى» إسلام عظيم، فلماذا نأخذ بالشيء منسوبًا إلى الشر، أو مختلطًا بالشر، ونترك الشيء، كله خير وحق؟!

والله يقول عن خيار عباده وأصفيائهم: {وألزمهم كلمة التقوى} . ما قال: وألزمهم كلمة الزهد!!

لقد حاول هؤلاء تغشية النور والجمال والحق من كلمة التقوى بسحر الباطل من كلمة الزهد، حتى أصبح الكثيرون يتعشقون سحرية «الزهد» ولا يعرفون الخير الكبير في كلمة «التقوى» بل أصبحوا وكلمة «التقوى» تثير في نفوسهم رعبًا يصرفهم عنها، وعن جلال معناها وصفاء روحانيتها، ما وجه الله إلى رسول أو نبي أو ولي أمرًا بالزهد، وإنما وجه إليهم جميعًا الأمر بالتقوى، واقرأ كتاب الله وتدبر آياته.

يزعم الدعاة إلى الفرار والعزلة عن الناس أنهم يقتدون في هذا بتحنث الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء.

(1) مجلة الهدي النبوي عدد 12 لسنة 1379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت