فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 182

ذنب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اتخذ الله وحده ربا له، وجعل رضاه غايته والدعوة إليه هدف كفاحه وجهاده، والغاية العظمى لدنياه، والفلك الأعظم الذي تدور فيه حياته.

ثم تدبر ما حكم الله به على المشركين الذين قالوا {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] إنه جل شأنه حكم عليهم بأنهم ضلوا فلا يستطيعون سبيلًا! لتعلم أن هذا الذي استنكره المشركون ليس إلا قدر الله العدل الحكيم الذي قضاه على البشرية، وقسطًا من أقساطها في الوجود، وأنه لا يمس مقام النبوة بأثارة من ضعة، إذ النبي - قبل كل شيء - بشر، والبشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!

وتدبر ما وصف الله به رسله جميعًا: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء: 9] ، {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] ، تدبر هذه الآيات؛ لترد بها فرية الوثنية التي تزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نجم الحياة الأبدية الخالدة في الدنيا، وأن فضلاته كانت مقدسة طاهرة وإشعاعًا من أضواء الربانية!

لماذا - إذن - كان يتوضأ صلى الله عليه وسلم، ويتيمم، ويغتسل؟

وتدبر خطاب الله لنبيه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) } ، [الزمر: 30] ، ذكر موتنا عقب موته؛ لنهتدي إلى أن الموت الذي قَضِىَ علينا هو عين الموت الذي قُضِيَ علي نبيه صلى الله عليه وسلم! ورغم هذا - على ما فيه من وضح وجلاء - وجد من يزعم أن موت محمد معناه الحياة السرمدية، وجد من يضع للفظ نقيض معناه، أو يضع للفظ إسفاف الشهوة من هواه!

ويقول الصوفية: «إنه صلى الله عليه وسلم يحضر كل مجلس، أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف، ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته، لم يتبدل منه شيء» [1] .

ذلك على حين يكتب الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - تحت عنوان «أشرف صفات الرسول في أشرف مقاماته» قائلًا:

والله سبحانه يصف رسوله بأشرف الصفات - وهي العبودية - في أشرف مقاماته، وأخلدها ذكرًا وأجلها أثرًا وغاية: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} ، يصفه ربه بالعبودية الصرفة الخالصة وحدها في تلك الليلة التي استشرف فيها قمة السمو الأعظم، آه لو قيل: «أسري بمحمد» ، فحسب إذن لراح الصوفية يثيرون ما يفتنون به من شبهات لا تجد من اللفظ النور القوي الذي يبددها، إذن

(1) (ص 219/ 1) كتاب رماح حزب الرحيم لعمر بن سعيد الفوني ط 1345، ولا تزال بقايا من هذا الفكر تعيش في ضمائر الناس إلى الآن، ويرددون حديثًا واهيًا في متنه وسنده وهو: حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، وتعرض عليَّ أعمالكم الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت