فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 182

لآلوا أن محمدًا لم يكن بشرًا، ولا عبدًا، وإنما كان روحًا إلهيًا سخرت لقدرته الآفاق، وعبدت لقهره متون الفضاء، فجاءت كلمة «عبده» في الآية حجة الحق المتلألئة التي تبيد الظنون، وتبدد كل شبهة تختلس الفتنة للعقول بأوهامها جاءت برهانًا ربانيًا - لا ينقص أبدًا - على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، ما كان إلا بشرًا يوحى إليه، حتى في تلك الليلة وقف فيها دون عرش ربه الأعظم، يقبس من نور الله وهداه، فما بالك به في كل أصائل عمره وعشاياه؟!

ويصفه سبحانه بالعبودية في مقام الدعوة إليه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 18] ، وتدبر إضافة «عبد» إلى «الله» ليغمر بيقين الحق قلبك، فلا يشتبه عليك الفرق الجليل العظيم الكبير بين عبودية محمد وربوبية ربه وألوهيته، ولا تفتنك مجوسية الصوفية تهبت الحق بزعمها أن محمدًا هو الله!!

ويصفه سبحانه بالعبودية في مقام هو الفيصل الحق الأكبر بين كون محمد دعيًا، وكونه نبيًا، ذلك هو مقام التحدي بالمعجزة العظمى، معجزة القرآن: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [سورة البقرة: 23] .

والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يضع لنا على الطريق صوي ومنارات، حتى لا نحيد عنه، فنهلك، ويرشدنا إلى الحق؛ حتى لا تزيغ بنا غلواء الشاعرية في الحب، فيقول صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني، كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله» ويدوي صوته الأخاذ الرائع بصيحة الحق يعظ بها ذلك الصحابي الذي جرفه غلو الحب، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «أنت سيدنا» ، فصاح به؛ ليصمت، ثم أرسلها تعبر الأجيال والأحقاب والدهور عظة شافية هادية: «إنما السيد الله تبارك وتعالى» [1] .

فما إن تهامست تحت قبة الفلك الأصداء الراعشة الخافتة والواهنة المذعورة من قولة الصحابي، حتى تجاوب الوجود كله بدوي الصيحة الهادية من الرسول، تحول بين الأخرى وبين أن تطمئن في سمع، أو تهز وترًا من قلب، وما زالت قلوب المؤمنين تتجاوب بعظة محمد العظيم في حب وإجلال، فصلى الله عليه وسلم.

وفي الصلاة - وهي شعيرة الحب العابد - علمنا الرسول عن أمر ربه أن نشهد أن محمد عبدالله ورسوله، ولكن الصوفية تأبى إلا أن تدين بأن ذلك الحق باطل وخطيئة، فتكذب الله ورسوله، وتقول: لا، بل محمد هو الرب الأعظم!

وفي حديث الشفاعة يقص علينا الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام وقد ناشده الخلق أن يستأذن ربه في أن يشفع لهم عيسى عنده - يقول: «اذهبوا إلى محمد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ، ولكن الصوفية تأبى إلا اتهام عيسى بالحقد على محمد، وجحود فضله، فتقول: لا، بل هو رب نعبده، ونضرع

(1) عن حديث رواه النسائي بسند جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت