فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 182

والإنسان والنبات والجماد، وكل فعل - تبعًا لهذا - هو فعل الله حقيقة، لا مجازًا، إذ ما ثَمَّ غيره من فاعل حتى ينسب إليه فعل ما!! أو وجود حتى ينسب إليه وجود.

وقد تضافرت البراهين الساطعة والأدلة القاطعة عقلية ونقلية على أن التوحيد هو عقيدة الإسلام، وكل آيات الله في الكائنات، وكل آيات الله في كتابه تشهد وجود رب خالق، ووجود مربوب مخلوق [1] وكل خاطرة وبادرة وهمسة ولمسة وحس وشعور تشهد بهذا شهادة حق وصدق، وشهادة الكون على فاطره ومبدعه، وشهادة الكتاب على ربوبية منزلة، هذه الشهادات كلها تقيم على نفس ابن مشيش الصوفي فتجعله يرتاب في معارفه الصوفية!؟ إنه كلما تدبر آية نقلية، أو عقلية، أو كونية سطعت في نفسه إشراقة توحي إليه بالشك في نتائج «الوجد» الصوفي!! غير أن الكفر أعز ّعليه من الإيمان، والباطل من الحق، إنه يرى يقين الحق من القرآن صاعقة تدمر باطله الصوفي، ويسمى هذا اليقين أوحالًا!! لهذا تراه في حماقة جحوده، وعتو الحقد من كفره، يفزع إلى «ربه» المصنوع من أوهامه، فيقول: «انشلني من أحوال التوحيد» ، انشلني من هذه الحقائق التي تجعلني أرتاب في أننا ذات واحدة وحقيقة واحدة!!

ولهذا يلح في الرجاء، ويؤكد قسوة ضلالته بقوله عقب هذا: «وأغرقني في عين بحر الوحدة» ، أغرقني حتى لا أرى النور، ولا أسمع الحق، ولا أجد الهدى، ولا أحس بشيء من ذلك كله، أغرقني في هذا الشعور القاهر المسيطر الذي يجعلني أوقن دائمًا أنني أنا أنت، وأنك أنت أنا!! أوقن بسمعي وبصري ووجداني وإحساسي بأنه ما ثم غيري أو بأنه ما ثم غيرك، فكلانا واحد [2] أو كلانا ذات يسمى تارة «الله وأخرى ابن مشيش» . فهل يتدبر المقلدون؟!

هذا هو ورد السحر الذي يتهجد به المفتونون تحت غلائل السَحَر، وقد أسكرهم عبق البخور الوثني الذي يزكم قباب الأصنام، فيخالونه نوافح من عبير الفردوس، ترف بها غلال الحور والملائكة!!

(1) لهذا كان يقول عفيف الدين التلمساني الصوفي الكبير: «القرآن كله شرك، ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا» (ص 177) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية.

(2) انظر ما يقول ابن عربي في الفصوص:

وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه

حتى كلام الإلحاد والفسوق. ويقول ابن عربي أيضًا:

فلا تقع العين إلا عليه ... ولا تنظر العين إلا إليه

يقول كل شيء تقع عليه عيناك هو الله، وكل شيء تنظر إليه فهو الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت