فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 182

في الشهود عن الوجود، وهذا هو الفناء المميز عند أهله بفناء الفناء [1] ، وصاحب هذا المقام فانٍ عن فنائه باق مع الحق لعين الجمع، فرداني الصفات وحداني الأفعال».

يقول الشيخ الوكيل معقبًا:

«إن همسة من القلب أو الشفة بكلمة: «مشيشية» من هذا الورد تجرد صاحبها من الإيمان!! فالأحدية التي يضرع ابن مشيش إلى الله أن يزج به في بحارها هي - كما يقول الجيلي: عبارة عن مجلى الذات ليس للأشياء، ولا للصفات، ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور، فهي اسم لصرافة الذات المجردة من الاعتبارات الحقية، والخلقية [2] وليس لتجلي الأحدية في الأكوان مظهر، أتم منك - يعني الإنسان - إذا استغرقت في ذاتك» [3] .

فابن مشيش إذن يدعو الله أن يفنيه عن بشريته، ليشهد نفسه، وقد أمست وجودًا مطلقًا في مرتبة الأحدية.

إنه لا يريد أن يصير ربا؛ لأن الربوبية تستلزم وجوب مربوب، وفي هذا ما فيه من إثبات الثنائية والغيرية، ولهذا يستشرف إلى المرتبة العظمى، مرتبة الوجود الإلهي المطلق قبل أن يتعين في صور الكائنات!! أو يتجلى في مظهرين، مظهر الخالقية، ومظهر الخلقية!!

ويمضي الشيخ الوكيل - رحمه الله - في إظهار مفهوم الصوفية لعبارة: «وانشلني من أحوال التوحيد» ، فيقول: التوحيد غير الوحدة عند الصوفية، فالتوحيد مرتبة العوام، أو علماء الرسوم، وهو علم الشريعة، أما الوحدة فمرتبة الخواص أو الفانين في بحار الشهود، وهي علم الحقيقة؛ لأن التوحيد يقتضي الإيمان بأن وجود الله غير وجود خلقه، وبأن الله هو حده المعبود الذي يجب أن يتوجه إليه بالعبادة خلقه، وبأنه سبحانه ليس كمثله شيء، أما الوحدة: فهي فرج القيم [4] ومحو تام لكل فارق بين الخالق والخلق في الذات والصفات والأسماء والأفعال، فكل ما يحكم عليه بأنه ذات هو في الحقيقة ذات الله، وكل ما يحكم عليه بأن صفة هو في حقيقته صفة لله، سواء في ذلك صفات الحيوان

(1) الفناء: مقام يغني فيه السالك عما سوى الله!! غير أن مقام الفناء لا يلتمس الذروة التي ينشدها الصوفي، لأن السالك لا يزال شاعرًا فيه، شاعر فيه بأنه فان عن شيء ما، لهذا قالوا: بفناء الفناء الذي يفنى فيه الشاعر عن نفسه، ويفنى عن فنائه، فيستغرق في مشاهدات الذات وحدها!!.

(2) للذات الإلهية في دين الصوفية وجهان أو اعتباران، فهي باعتبار باطنها تسمى حقا وهي باعتبار آخر تسمى خلقًا، وهذا بعد ظهورها في صور الكائنات، فاللذات الإلهية - إذن - حق وخلق.

(3) والحق هو باطن الذات المقابل لمظاهرها المسمى خلقًا، ولا يقال عن الذات الإلهية في مرتبة الأحدية: أنها حق؛ لأنه لا يقال عنها هذا إلا في مقابلة ظاهرها، وهو الخلق، وما ثم صور خلقية للذات في مرتبة الأحدية.

(4) لا يفصل التصوف الإشراقي بين حقائق الأشياء، فما ثم إلا حقيقة واحدة، كذلك لا يفصل بين التناقضات في حقائق الفكر، والأخلاق والدين، فالحق عين الباطل، والخير عين الشر، والإيمان عين الكفر، هذا لأنها صادرة عن ذات واحدة، وقد صرح زعماؤه بهما في غير ما لبس ولا غموض ولا إبهام، ولاسيما ابن عربي والجيلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت