الثلاثة إدراكًا وفهمًا، وتدبرًا، وإجابة، وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه، وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع، وهو سماع الآيات، لا سماع الأبيات، وسماع القرآن، لا سماع مزامير الشيطان، وسماع كلام رب الأرض والسماء، لا سماع قصائد الشعراء، وسماع المراشد، لا سماع القصائد، وسماع الأنبياء والمرسلين، لا سماع المغنيين والمطربين [1] ، ثم ذكر السماع الذي يبغضه الله، ويكرهه، فقال: إنه سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه، ومثل لهذا بسماع الباطل إلا إذا كان متضمنًا رده وإبطاله، وبسماع اللغو، وبسماع الغناء، ثم رد ردًا مفحمًا محكمًا على الصوفية الذين أباحوا سماع الغناء. سماع المكاء والتصدية والمعازف والخمريات، وعشق الصور من المردان والنسوان، وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها [2] .
أما الغزالي الملقب بحجة الإسلام، فقد جعل لباب «السماع» عنوانًا هذا نصه: «باب السماع، وآثاره في القلب بالوجد، وفي الجوارح بالرقص والزعق وتمزيق الثياب» ، ويعني بالسماع، سماع الأغاني، وإليك قوله: «إن القلوب والسرائر خزائن الأسرار ومعادن الجواهر، وقد طويت فيها جواهرها، كما طويت النار في الحديد والحجر، ولا سبيل إلى استثارة خفاياها إلا بقادح السماع، ولا منفذ إلى القلوب إلا من دهليز الأسماع، فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها، وتظهر محاسنها، أو مساويها، فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه [3] .
وإن تعجب، فعجب أن يحبس الغزالي قلمه الصوال الجوال على صفحات طوال يحاول فيها إثبات أن سماع الأغاني له قيمة عظمى تنحسر دونها كل قيمة!!
ثم يفصل الغزالي آراء من حرموا السماع ويجهد نفسه في الرد عليها، ثم ينتهي به التجوال الخاسر المكدود إلى قوله: «من أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوب التلطف بها علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور - يعني سماع الأغاني - دواء نافع لا غنى عنه» [4] .
ثم يقول في مكان آخر: «قال بعضهم: ليتنا نجونا من هذا السماع رأسًا برأس، ففي هذا الفن من السماع خطر يزيد على خطر السماع المحرك للشهوة، فإن غاية ذلك معصية وغاية الخطأ ههنا كفر» [5] .
ونقول للغزالي: إذا كانت غاية الخطأ ههنا كفرا، فلما يلح الغزالي في الدعوة إليه؟
وما أجمل ما يقول الإمام الجليل ابن القيم عن أصحاب سماع القرآن: «لم يعدم من اختار هذا السماع - سماع القرآن - إرشادًا لحجة، وتبصرة لعبرة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد، وردَّا على ضلالة، وإرشادًا عن غَيٍّ وبصيرة من عمى، وأمرًا بمصلحة، ونهيًا عن مضرة مفسدة، وهداية إلى نور، وإخراجًا من ظلمة،
(1) مدارج السالكين (482/ 1) وما بعدها - ط السنة المحمدية.
(2) مدارج السالكين (482/ 1) وما بعدها - ط السنة المحمدية.
(3) الإحياء (237/ 2) .
(4) المصدر السابق (ص 253) .
(5) المصدر السابق (ص 255) ، وقوله منقول عن اللمع (ص 272) .