فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 182

أو نبع يروي الغليل!! زمر يسهل قيادها والسيطرة على إرادتها، إذ لم تعد لها هي سيطرة على إراداتها، ولا دين قوي يصمد بها أمام المغير، أو يهديها سناه إذا ادلهمت الظلمات، ورانت الشبهات!! فأسرع أولئك الدعاة الذين سلكوا بهؤلاء هذا التيه، يقدمون لهم ما كانوا يهابون في أول الأمر حتى الغمغمة به. قدموا لهم أفكارًا وآراءًا في الوجود ومراتبه وتعيناته، أو الذات الإلهية وتجليات أسمائها وصفاتها، زاعمين لهم مرة أخرى أن ما يقدمونه لهم هذه المرة إنما هو الحقيقة الكبرى التي أشار إليها النبيون في رموزهم وتلويحاتهم!! فكان ما سطره أمثال ابن عربي في فتوحاته وفصوصه وابن الفارض في تائيته الكبرى والجيلي في الإنسان الكامل.

نوعا التصوف:

لهذا قسم الباحثون التصوف قسمين، أو رأوه نوعين؛ أما أولهما، فهو التصوف العملي.

التصوف العملي:

وهو يقوم على أساس مجاهدة النفس وكبت نوازعها، لأنها - كما يرى أصحاب هذه النزعة - مجبولة على الشر، ولأن الدنيا كذلك شر كبير.

ولتحقيق هذه الغاية دعوا إلى فنون من الرياضيات النفسية بغية القضاء على غرائز النفس، وإلى ضروب خشنة من الغلو في العبادات تنكرها الحنيفية السمحاء، لقد زعموا أنهم يريدون الوصول إلى الله، وأنه لن تتحقق هذه الغاية السامية إلا بسلوك هذا الطريق الذي رسموه.

وتبعًا لهذا بسطوا القول في أحوال النفس ومقاماتها، وما يجب أن تقوم به من مجاهدات، فكانت هذه البحوث التي غلفوها في كثير من الأحايين بالرمزية المجنحة بالتهاويل وقنعوها بالغموض الذي يستطيع أن يتراءى لك بعدة وجوه، لأن ما أودعوه في هذه البحوث عن أحوال النفس ومقاماتها ومجاهداتها يعارض أصول الإسلام وفروعه، ويخمش بأظافره وجه الحقيقة الصافية، وكان المسلمون أقوياء الإيمان، وكانت دولتهم قوية ولا تأذن هاتان القوتان لمثل هذا الخرف الغنوصي أن يستعلن جهرة أول أمره!!

من شعائر التصوف العملي:

الدعوة إلى الفقر والزهد: أسرف أصحاب هذا الاتجاه في الدعوة إلى الجوع، وغالوا في تمجيد الفقر، ونادوا بالفرار من كسب العيش، حتى قال قائلهم: «الفقر شعار الأولياء وحلية الأصفياء، والفقراء صفوة الله عز وجل من عباده ومواضع أسراره بين خلقه، بهم يصون الخلق، وببركاتهم يبسط عليهم الرزق» [1] .

وقيل للربيع بن خيثم: «قد غلا السعر، فقال: نحن أهون على الله من أن يُجيعنا، إنما يُجيع أولياءه» [2] .

(1) الرسالة للقشيري (ص 122) .

(2) الرسالة للقشيري (123) : ترى هل يفعل الله هذا بأولياءه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت