فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 182

ولقد آمنت هذه القوى أنها لن تتمكن من القضاء على هذه الأمة ما دامت تؤمن بهذا الدين إيمانًا خالصًا قويًا وتنفذ شريعته تنفيذًا لا عوج فيه ولا انحراف، كما أنها آمنت أيضًا أنها لا يمكن أن تجهر بما تكيده به حتى لا تقضي بهذا الجهر على بواكير مؤامرتها، فليكن ما تقدمه لهذه الأمة صورة عليها شِيةٌ من وضح الإسلام وإشراقة من روحانيته.

لتكن صورة توضح سبيل السلوك، لا سبيل الفكر، إذ كانت الحياة العملية هي الغالبة السلطان.

ليكن ما يقدم للمسلمين نظامًا عمليًا صورته إسلامية وحقيقة الغاية منه إخفاء معالم طريق الإسلام [1] .

ومن هنا كما يقول الشيخ عبدالرحمن الوكيل - رحمه الله - فقد كان هناك تدبير دنيء ضد الإسلام، وكان هناك كيد خفي ضد الإسلام، وكانت هناك قوى تتجمع وتحتشد للقضاء على الإسلام، ولابد لهذه القوى أن تنتصر كما يحلم أصحابها، ومما يعينها على النصر أن تصرف الكثير من المسلمين عن الجهاد ضد هذه القوى التي تعمل لتدميرهم، فكانت الدعوة إلى الزهد القاتل، والجوع المنهك، والعزلة عن الناس، والفرار من المجتمع، والقعود عن التكسب والزواج، ترى هل تصلح مثل هذه الدعوة لإقامة أمة، أو تقويم مجتمع؟ هل يصلح الجوع والعزلة والفرار والتواكل العُزْبة لبناء دولة، أو بقاء أمة أو للقضاء على عدوان؟! دعا هؤلاء إلى ما دعوا إليه باسم الدين، واستشهدوا على هذا بآيات من القرآن حرفوا معناها، وبأحاديث اختلقوها [2] أو أوَّلوها تأويلًا يفسد حقيقتها ومعناها. وتحريف الكلم عن مواضعه من خطايا الصهيونية وكفرها القديم.

بل دعا بعض هؤلاء إلى زندقة خفية وجلية، وإن تعجب فعجب أن تظهر بواكير هذه الزندقة، ولما يمض على نشأة التصوف سوى حقبة قليلة. يقول أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين: «وفي الأمة قوم ينتحلون الشك يزعمون أنه جائز على الله الحلول في الأجسام، ومنهم من يجوز على الله سبحانه المعانقة والملابسة والمجالسة في الدنيا، وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات وتكون الأشياء المحظورة على غيرهم من الزنى وغيره مباحات لهم.

وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله سبحانه، ويأكلون من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين، ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين» [3] . هذا كان في أواخر القرن الثالث، بل ربما كان في أوله.

وآتت هذه الدعوة ثمرها، أو حَنْظَلها، فحال المؤمنون بها إلى زمر شاردة في التيه لا تعرف لها مستقرًا ولا مآبًا، زمر معذبة أضناها السرى وأنهكها الظمأ والسَّغَب، فأمست تصيخ إلى كل يَأْمةٍ أو هَمسَةٍ تزعم أنها تهديهم إلى قرار

(1) مجلة الهدي النبوي - عدد (11) سنة 1379 ه.

(2) يقول جولد زيهر: «عن دوائر الصوفية صدر الكثير من الأحاديث الموضوعة التي قصد بها إلى تبرير قواعد هذا الاتجاه الديني وهو التصوف» ص 218 التراث اليواني.

(3) (ص 319) طبع مطبعة النهضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت