ثم إننا لا نجد في الكتاب ولا في السنة وصف الله بالقديم [1] ، ولا إطلاق اسم القديم عليه، وكلمة «القديم» كما وردت في القرآن لا يجوز إطلاقها على الله.
اقرأ هذه الآيات: {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} ، {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} ، {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} ، {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وأباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ، فقد قيل عن الضلال: إنه قديم، وكذلك عن الإفك وأعذاق النخل والآباء السابقين، فهل يجوز إطلاق «القديم على الله سبحانه وهذا معناه، وهذه هي مواردها في القرآن؟
أما ما ورد في القرآن مما لا يشوبه ما في كلمة «القديم» من نقص، فقوله سبحانه: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ، ولهذا كان من مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنت الأول؛ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء» .
وهكذا لم يردد علماء «الكشف» غير ما رددته الضلالة القديمة.
ولقد سُئل الشبلي:
أخبرنا عن توحيد مجرد بلسان حق مفرد، فقال: «ويحك! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو مُلْحِد، ومن أشار إليه فهو ثَنَوِيِّ، ومن أومأ إليه فهو عابدُ وثن، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود إليكم، محدث مثلكم» .
وقيل: «التوحيد إسقاط الياءات. لا تقول: لي، وبي، ومني، وإليَّ» .
وقال رويم: «التوحيد محو آثار البشرية، وتجرُّد الألوهية» .
وقال الشبلي: «ما شم روائح التوحيد من تَصَوَّر عنده التوحيد» .
وقالوا: «من الناس من يكون في توحيده مكاشفًا بالأفعال يرى الحادثات بالله تعالى، ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة، فيضمحل إحساسه بما سواه، فهو يشاهد الجمع سرًا بسر وظاهره بوصف التفرقة» [2] .
وفي كلام الشبلي استحالة التوحيد، وعدوان أحمق الجراءة على القرآن، فقد جاءت آياته كلها مفصحة في جلاء وإعجاز عن حقيقة التوحيد، توحيد الله في ربوبيته وتوحيده في ألوهيته، على حين يقول الشبلي:
(1) قال ابن فارس في معجمه: يقال شيء قديم إذا كان زمانه سالفًا، وقال الراغب في مفرداته: «ولم يرد شيء من القرآن والآثار الصحيحة «القديم» في وصف الله تعالى، والمتكلمون يستعملونه ويصفونه به وأكثر ما يستعمل القديم يستعمل باعتبار الزمان».
(2) اقرأ هذه التعريفات في باب التوحيد من رسالة القشيري.