«من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو مُلْحِد، ومن أشار إليه فهو ثَنَوِيِّ» ، وهو في تعبيره هذا يفصح عن حقيقة معتقده؛ فالإشارة تستلزم وجود مشير، ووجود مشار إليه، وتستلزم المباينة بينهما. ولهذا قال الشبلي: من أشار إليه فهو ثنوي!! أي يدين بإلهين!!
هذا لأن الشبلي يدين بأن وجود الخلق عين وجود الخالق؛ فلا مشير، ولا مشار إليه، بل المشار إليه عين المشير!!
أما إسقاط الياءات، فَجَبْرِيةٌ صماء، أو هي تعبير ماكر عن وحدة الوجود أيضًا، أما بقية التعريفات فتدور حول ما بينا.
قيل لأبي بكر الطمستاني: «ما التوحيد؟ فقال: توحيد ومُوَحِّد ومُوَحَّد، هذه ثلاثة» [1] . نفس الصورة أو الأقانيم: «الآب، والابن، والروح القدس» .
وليس فيما نقلناه من تعريفات نور من الحق، ولا عبق من طيب التوحيد.
قناع: يدين التصوف بأن للدين ظاهرًا وباطنًا [2] ، ولهذا نجد للصوفية أقوالًا يرضون بها أهل الظاهر في عرفهم. «أهل الظاهر هم أهل الحق الوثيق الجليل؛ لأنهم يدينون بما أرسل الله به خاتم النبيين، يؤمنون به إيمانًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه» .
ومن أقوال الصوفية التي ينطقون بها في التوحيد تجنبًا لسفك دمائهم بما رووه عن الجنيد، وقد سئل عن التوحيد: «إقرار الموحِّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد، ولم يُولَد بنفي الأضداد والأنداد والأشياء بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وفي هذا التعريف - رغم وجود ألفاظ يمكر بمعناها - تعبير عن توحيد الربوبية، غير أن الجنيد القائل لهذا هو عين الجنيد الذي نقلنا لك تعريفه من قبل للتوحيد، عين الجنيد الذي يقول: «إذا تناهت عقول العقلاء إلى التوحيد تناهت إلى الحيرة» . إذن لا توحيد ولا يقين!!
وسئل البوشنجي عن التوحيد، فقال: «غير مشبه الذات، ولا منفي الصفات» .
وفي تعريفه سكر صوفي يرائي الحق والإيمان والباطل والكفر، وبمثل هذه التعريفات التي تلمع بلمعة من نور الحق يتخذ الصوفية لأنفسهم جنة يدرءون بها من صولة الحق وأنصاره في بيئة تقدس الحق».
أما هم - كما رأيت، وكما سترى - لا يدينون بحقيقة التوحيد الذي أرسل الله به رسله وبهم وجه إلى العوام، ووجه إلى الخواص، والعوام هم من يأخذون دينهم عن الكتاب والسنة، أما الخواص: فهم من يأخذون دينهم عن كشف!!
(1) ص 136 الرسالة.
(2) (( ينسب الغزالي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الزور: «ما من آية من آيات القرآن إلا ولها ظهر وبطن، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن» ، وهذا الزور أيضًا: «للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع» (ص 28، 331) الجواهر الغوالي - ط: الكردي، وكلا القولين مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم.