وسُئِل أيضًا عن توحيد الخواص فقال: «أن يكون العبد شَبَحًا بين يدي الله سبحانه تجري عليه تصاريف تدبيره في مجاري أحكام قدرته في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه، وعن دعوة الخلق له، وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته؛ لقيام الحق سبحانه له فيما أراد منه، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون» .
خلاصة هذا: إلغاء الوجود الإنساني والإرادة الإنسانية، والفكر الإنساني ليزعم ذلك الصوفي أن الله هو الذي يفعل له، ويتصرف له ويتكلم على لسانه، ويشعر ويحس بدلًا عنه!! فلم إذن كان خلق السماوات والأرض، ولم إذن جعل الله آدم في الأرض خليفة، وسخر له ما في السماوات والأرض؟ ولم أرسل الله الرسل، ومنح عباده العقل؟ وخلاصته إن دين الصوفية يؤكد أنه لا وجود إلا وجود الله، ولا فعل إلا فعل الله، فلا شر ولا ضلال، ولا باطل ولا عوج في السلوك، فكل الأفعال منسوبة إلى الله حقيقة لا مجازًا.
ولقد قيل للجنيد: «أيزني العارف يا أبا القاسم؟» فقال: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا [1] .
والعارف هو صفوة الصفوة من الصِّدِّيقين والقديسين عند الصوفيين!!
وقال الجنيد أيضًا: «التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القديم عن المحدث والخروج عن الأوطان وقطع المَحَابَ، وترك ما علم وجهل، وأن يكون الحق سبحانه مكان الجميع» .
وإفراد القديم من المحدث لا يدل على حقيقة التوحيد الذي أرسل الله به رسله؛ فعبدة الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة ينسبون إلى الله القِدَم وينزهونه عن الحدوث فلم ينفرد به الصوفية كما زعم الجنيد ثم هو لا يهب للصوفية مكانًا بين المسلمين، فإنه بعض الحق لا كله. قد يعتذر عشاق الجنيد عنه بأنه يريد إفراد القديم عن المحدث بمعنى إثبات مباينة الرب سبحانه لخلقه، وعلوه فوق عرشه، وإثبات صفاته التي أثبتها لنفسه، ويريد أيضًا إفراده سبحانه بالعبادة، وهذا الحق لا يريده الجنيد، ولا توحي به عبارته، ولو كان يريد شيئًا منه لذكره، فإنه ليس بالعَيي في البيان، ولا بالغبي في التعبير عن أفكاره!! وحسبك قوله: «ترك ما علم وجهل» ، بهذا الإطلاق وهذا التعميم!! فما علمته أن الله ليس كمثله شيء، وأنه هو السميع البصير، فهل يجوز ترك مثل هذا العلم؟ ثم ما هذا التعميم في قوله: «وأن يكون الحق - أي الله - مكان الجميع» ، إن من سمات هؤلاء مكر النفاق، ولهذا يدعون كلماتهم مطلقة الاحتمال»، فإن أخذوا بها، قالوا: نريد منها كذا وكذا، ولو كانوا يريدون حقًا هذا الحق لصرحوا به في غير مواربة ولا مراجاة، ولاسيما، وهم متمكنون من ناصية البيان.
إن حقيقة ما يدين به الجنيد: هو أن ينظر الصوفي إلى الوجود كوحدة، ليس فيه إلا الوجود القديم!!
(1) ص 135، 160، الرسالة للقشيري وتدبر - بعد زعم سيد الصوفية الجنيد - قول الله سبحانه: {قل أمر ربي بالقسط} ، وقوله جل شأنه: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} .