فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 182

إذ ليس ثمت «غيره» حتى يخلقه، وكل شيء هو الإله، ولا يمكن - تبعًا لهذا - أن نسمي الإله بالخالق، وإلا قلنا أنه يخلق نفسه، ويفسرون «الخلق» في قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} بأنه تجل من تجليات الذات الإلهية، ويزعمونه أنا لو سميناه خالقًا كان ثمت مخلوق - وما في الوجود إلا الله - فتخرج الذات عن الوحدة إلى الكثرة، فإن عملية الخلق تفيد وجود «خالق ومخلوق» أي وجود وجودين أو أثنين، و «الإثنينية» بهذا التصوير عندهم شرك وطعن في الوحدة، لو سميناه خالقًا، واعتبرنا المخلوق غيره لقامت الحوادث بالذات، وهذا نفي لوجود القديم المحض، أو لكان القديم حادثًا، والواحد كثيرًا، هكذا يزعمون، ولذا يسمون الإله دائمًا ب «الحق» ، ولا يسمونه بالخالق إلا مجازًا، بل لا يمكن أن يصرح زعماؤهم بهذا.

ويضرب الجيلي مثلًا في كتابه «الإنسان الكامل» يوضح في زعمه الاتحاد التام بين الحق والخلق، وعدم المغايرة بينهما إلا باعتبار، ذلك المثل: هو الماء والثلج، فمثل العالم مثل الثلج، ومثل الحق الماء الذي هو أصل الثلج، فاسم «الثلج» مُعَارٌ على المنعقد من الماء، واسم «المائية» يطلق حقيقة، فالفرق بين العالم وبين الإله - إن اعتبرته فرقًا - هو الفرق بين الماء في حال مائيته، وبين نفسه في حال انعقاده ثلجًا، وسيذوب الثلج يومًا، فيعود ماءً، وسيتجرد الإله عندهم يومًا فيعود كما كان وجودًا مطلقًا.

ويقول ابن عربي:

جمع وفرق فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر

ولهذا يقلقون الليل بترتيل تسبيحتهم المقدسة «المظاهر عين الظاهر» ، ويصفون تبعًا لذلك الخلق «وهم المظاهر» بصفات «الحق» وهو «الظاهر» ، يصفون الخلق بصفات الخلاق من ربوبية، وألوهية، وسواهما، ويصفون الخالق بصفات الخلق من نقص، وعجز، وجهل.

يقول ابن عربي: «فما يحد شيء إلا وهو حَدُّ الحق، فهو الساري في مسمى المخلوقات، والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود، فهو عين الوجود، فهو الشاهد من الشاهد، والمشهود من المشهود، فالعالم صورته، وهو روح العالم المدبر له» [1] .

أما عن قضية التوحيد عند الصوفية فقد كتب الشيخ عبدالرحمن الوكيل في مجلة الهدي النبوي [2] تحت عنوان «التوحيد» مقالًا ذكر فيه ما كان يعتقده الجنيد باعتباره سيد الصوفية القدامى، وكذا مجموعة من كبارهم، جاء فيه:

«سُئِل الجنيد [3] عن التوحيد، فقال: «معنى تضمحل فيه الرسوم، وتندرج فيه العلوم، ويكون الله تعالى كما لم يزل» .

(1) انظر النص كاملًا في كتاب دعوة الحق: للوكيل (ص 34) .

(2) مجلة الهدي النبوي - عدد (7) - لسنة 1383 ه.

(3) نختار الجنيد لأنه سيد الصوفية القدامى كما يعبر الصوفيون، ولأن بعض من يحسن الظن بالتصوف القديم يظن الخير في الجنيد، فليقرأ إذن هؤلاء ما يقوله الجنيد، ليعلموا أن التصوف هو التصوف!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت