بالنسبة إلى المحكم المقرر، والأنبياء كلهم دينهم واحد» [1] ، وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم، ولهذا كان من صدَّق محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقد صدق كل نبي، ومن أطاعه، فقد أطاع كل نبي، ومن كذبه فقد كذب كل نبي، ومن عصاه، فقد عصى كل نبي، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} .
وكذلك من كان من الملاحدة والمتفلسفة طاعنًا في جنس الرسل بأن يزعم أنهم لم يعلموا الحق، أو لم يبينوه، فهو مكذب لجميع الرسل كالذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} .
ثم يقول: «وكثير من أهل الكلام والتصوف لا يؤمن بحقيقة النبوة والرسالة، بل يقر بفضلهم في الجملة مع كونه يقول: إن غيرهم أعلم منهم، أو أنهم لم يبينوا الحق، أو لبَّسوه، أو أن النبوة هي فيض يفيض على النفوس من العقل الفعال، فهؤلاء يقرون ببعض صفات الأنبياء دون بعض، وهؤلاء يكون أحدهم شرًا من اليهود والنصارى» [2] .
وصوفية ابن عربي وابن الفارض والحلاج والبسطامي والشبلي لا تؤمن بأن القرآن فيه الحقيقة، كلهم يعتقدون أن نصوص ابن عربي أو تائية ابن الفارض هي خير من القرآن، ولهذا صرح التلمساني بقوله: «القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا» .
ولو أنهم كانوا على غير هذا الدين لرأينا منهم الحفاوة البالغة بتدبر القرآن والدعوة إليه، وتذكر الناسي به، ولكنهم فيما يؤلفون ويذكرون ويدعون إنما يحاولون تحدي القرآن بالتراث الصوفي.
أما الغزالي فيقول في الإحياء ردًا على من قاله له: «ليس الشرع ظاهر وباطن وسر وعلن، بل الظاهر والباطن والسر والعلن واحد فيهم، رد الغزالي بقوله:
«فاعلم أن انقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية لا ينكرها ذو بصيرة، وإنما ينكرها القاصرون الذين تلقفوا في أوائل الصبا شيئًا، وجمدوا عليه، فلم يكن لهم ترقّ إلى شأو العلا، ومقامات العلماء والأولياء، وذلك ظاهر من أدلة الشرع، قال صلى الله عليه وسلم: «إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وحدًَّا ومطلعًا» [3] .
(1) هو دين الإسلام.
(2) (ص 203) وما بعدها ج 1 مجموعة الرسائل الكبرى.
(3) رواه ابن حبان من حديث ابن مسعود بنحوه، وحديث مثل هذا لا تثبت به حقيقة دينية، وقد جاء به الشعراني مفصلًا: «إن لكل آية ظاهرًا وباطنًا وحدًا ومطلعًا إلى سبعة أبطن إلى سبعين» ، فالظاهر هو المعقول والمقبول من العلوم النافعة التي تكون بها الأعمال الصالحة، والباطن هو المعارف الإلهية، والمطلع هو معنى ما يتحد فيه الظاهر والباطن والحد يكون طريقًا إلى الشهود الكلي الذاتي» ص 6 الطبقات، أي يشهد ذات الله.